ومن الثابت أن قوة المسلمين كانت جد ضعيفة لما تأهب بنو غطفان وفزارة للهجوم على المدينة، ولعلها لم تجاوز بضع مئات. (2) أسلوب القتال
من الخطأ القول بأن ليس للعرب أسلوب في القتال قبل الإسلام، فإن من تتبع أخبارهم في الجاهلية اتضح له أن للقوم مبادئ يسيرون عليها في قتالهم، وكانت هذه المبادئ ملائمة لاستعمال سلاحهم ومنطبقة على البيئة التي يقاتلون فيها.
أجل، إن العرب لم تقاتل بالجموع التي كان يقاتل بها الفرس أو الروم الذين كانت جيوشهم كبيرة قد تربو على المائة ألف في بعض المعارك، وجيش بهذه القوة يحتاج إلى تنظيم لسوقه قبل المعركة وتعبئته فيها. فجيش أولئك الأعاجم كان ينقسم إلى راجلين وفرسان وإلى طاعنين وضاربين ورماة، وكانت الفيلة عند الفرس والعجلات الحربية عند الروم تقوم مقام الأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع الضخمة في يومنا هذا.
فنظام القتال عند اليونان كان مستندا إلى «الفيلق» (الفلانكس)، وهو وحدة تعبيرية يبلغ متوسط قوتها 4000 مقاتل، يصطف الجنود فيها على ستة عشر صفا، طول كل صف 256 مقاتلا، والجنود في «الفيلق» (الفلانكس) من المشاة مسلحون بالرمح والسيف والحربة والمغفر والدرع والترس، ويتكون «الفيلق» من القلب ويقف في الخط الثاني الذي يسبقه الخط الأول المؤلف من الرماة، ويليه الخط الثالث، وتقف الخيالة في الميمنة والميسرة لحماية الأجناب.
ويتألف الجيش عادة من أربعة «فيالق» (فلانكسات) متى تيسرت القوة فيه. فتقف «الفيالق» جنبا إلى جنب، وبينها فاصلات صغيرة تتراوح بين عشرين أو أربعين خطوة.
وكان هذا النظام لا يصلح للقتال إلا في الأرض السهلة المنبسطة، والمقدرة على الحركة فيه قليلة، ولا يستطيع تغيير الجبهة متى اقتضى الموقف ذلك، فضلا عن أنه معرض للخسارة إذا أصيب برمي السهام.
أما نظام القتال عند الرومان فكان مستندا إلى «اللجيون»، وهذا ينقسم إلى الكراديس ومجموعها عادة عشرة، وكانت الكراديس سابقا تعبأ على خطين، كل خمسة منها في نسق وبينها فاصلة جهة كردوس، على أن تقف كراديس الخط الثاني وراء فاصلات الخط الأول.
ثم تطور هذا النظام في عهد يوليوس قيصر، فكان اللجيون يقف على ثلاثة خطوط: في الخط الأول أربعة كراديس، وفي كل من الخطين الباقيين ثلاثة، وتبلغ قوة كل كردوس ألف مقاتل.
وتؤلف الكراديس القلب، ويقف أمامه الرماة الذين يرمون العدو بسهامهم أو بحرابهم قبل الاصطدام، ثم ينسحبون إلى المجنبات، أما الخيالة فتحمي المجنبتين.
وكان نظام الكراديس يفوق نظام «الفيلق» (الفلانكس) في المقدرة على القتال والحركة والسير بسهولة، وكان في استطاعة الكراديس أن ينجد بعضها بعضا.
والجانب في اللجيون قوي بخلاف جانب «الفيلق» (الفلانكس)؛ لأن كراديس الجانب متى غيرت ناصيتها استطاعت أن تقابل العدو الملتف حولها.
وسار الروم أو البيزنطيون في قتالهم على نظام الكراديس؛ فأخبار الفتوح الأولى تدل على أنهم كانوا يعبئون قواتهم كراديس ويحمون مجنبتهم بالميمنة والميسرة. وكانت قوة الجيش تختلف باختلاف عدد اللجيونات وتقف على خط واحد، فإما أن تؤلف القلب فتؤلف الخيالة وحدها الميمنة، وإما أن تؤلف القلب والميسرة والميمنة، وتكون الخيالة على الجانبين.
وإذا كان عدد اللجيونات كثيرا يحتوي القلب عادة على أكثرها، وقد زادت قوة الخيالة على ما كانت عليه في زمن الرومان؛ ذلك لأن الأقوام المتوحشة التي هاجرت من آسيا ودخلت أوروبا باغتت رومية بجيوشها الخيالة الكبيرة، ولما توطنت هذه الأقوام في أوروبا واندمجت في المقاطعات الرومانية وجهزت الجنود لجيوش رومية زاد عدد الخيالة فيها، وأصبح للفارس شأن خطير في القتال.
ولا يختلف نظام القتال عند الفرس عن نظام القتال عند الروم إلا اختلافا يسيرا. والجيش الفارسي على ما يظهر كان منقسما إلى كتائب، والكتيبة تقابل الكردوس وتبلغ قوتها ألف مقاتل، وكان خط القتال فيه ينقسم إلى القلب والميمنة والميسرة، وكانت كتائب الخيالة تحمي الجانبين على ما هو شائع، وكانت الفيلة تتقدم في جبهة القتال وعلى ظهورها الجنود المسلحون بالحراب والقسي، والذي يلفت النظر أنه كان للرماة شأن خطير في الجيش الفارسي، ولعل المشاة كانوا جميعا مجهزين بالقسي وجد ماهرين في الرماية.