أما جيش أسامة فهو الجيش الثالث، ونعتقد أن قوته يجب ألا تقل عن خمسة آلاف.
وكان المهاجرون والأنصار نواة هذا الجيش؛ فالمهاجرون والأنصار عماد الجيش الإسلامي، وهم كالحرس الذي كان يؤلفه الملوك للاعتزاز به في تنفيذ خططهم إصلاحية كانت أم حربية.
واشترك هؤلاء في غزوات الرسول وحروبه من أولها إلى آخرها، وكانوا يؤثرون النبي على أنفسهم في جميع أعمالهم، فكان الإسلام متمكنا من قلوبهم، ولا غرو إذا رأينا الإسلام يقوم على سواعدهم بعد وفاة الرسول، ولعل عددهم كان يتفاوت بين الألف والخمسمائة وبين الألفين لما توفي النبي.
وكان أكثرهم في جيش أسامة ما عدا البعض منهم، فإنه بقي في المدينة مع أبي بكر، أو أوفد في حياة الرسول عاملا أو معلما أو مبشرا إلى الأقطار العربية النائية أو جابيا أو معلما إلى القبائل العربية القريبة.
ويلي المهاجرين والأنصار قريش التي أسلمت بعد فتح مكة وأبلت بلاء حسنا في الإسلام بعد ذلك. أجل إنها لبت الدعوة أخيرا وقسرا، إلا أنها اقتنعت أن عز الإسلام من عزها فناصرت الرسول في حياته من أعماق قلبها، حتى إن الرسول بعد فتح مكة رضي أن يظل البعض من قريش مشركا حتى يفتح الله قلبه. ومع ذلك لم يحجم هذا البعض عن الجهاد معه في غزوة صفين أو في محاصرة الطائف، ولعل القوة التي كانت قريش تستطيع أن تجهزها للقتال زادت على ألفي مقاتل على أقل تقدير، ويلي قريشا القبائل الساكنة بين الحرمين، مكة والمدينة، وهي التي ناصرت الرسول في دعوته، وقد اشترك بعضها في الغزوات وجاهدت أخيرا في حروب الرسول فقربت هذه الحروب بينها وبين المهاجرين والأنصار وربطتها برباط متين.
فلا مندوحة إذن من أن نرى أبا بكر يدعوها إلى الجهاد لما كان جيش أسامة بعيدا عن المدينة، فلبت دعوته راغبة مطيعة، وهذه القبائل هي: أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب وغيرها.
ولعل القوة المحاربة في هذه القبائل لم تزد على ثلاثة آلاف، وتليها قبيلة بني ثقيف الساكنة بين مكة والطائف، وهي خير من أسلم من قبائل الحجاز، واشتهرت بشدة مراسها وصلابة عودها، وكانت تعتز بعاصمتها الطائف المسورة، ولم ترتد ثقيف على ما سبق ذكره، بل بقيت متمسكة بالإسلام، وكانت قوتها المحاربة تقدر بأكثر من ألفي مقاتل.
هذه خلاصة القوات التي كان الخليفة يعتمد عليها في محاربته أهل الردة، وقد ظهر لك أنها كانت تبلغ عشرة آلاف متى تيسر جمعها، والواضح أن جيش أسامة بن زيد كان مؤلفا من معظم المهاجرين والأنصار وبعض رجال القبائل، وذلك لما كان أسامة بعيدا عن المدينة؛ إذ أخذت القبائل المرتدة الواقعة إلى شرقي المدينة تهددها.
ولعل من الفائدة أن نذكر بهذا الصدد مقدار القوات التي استطاع الرسول أن يجمعها في حروبه.
كانت قوة المسلمين في غزوة بدر لا تزيد على ثلاثمائة رجل، أما في غزوة أحد فكانت زهاء الألف، وفي غزوة الخندق بلغت ثلاثة آلاف.
أما في فتح مكة إذ ظهرت سطوة الإسلام وقويت شوكة المسلمين فكان جيش المسلمين عشرة آلاف؛ نواته المهاجرون والأنصار، وقوامه رجال القبائل الضاربة إلى شرقي المدينة وشماليها وجنوبيها.
ويزعم الرواة أن جيش الرسول بلغ ثلاثين ألفا في غزوة تبوك، كان عشرون ألفا منه رجالا وعشرة آلاف فرسانا، أجل إن الموقف العسكري كان ملائما لمبادرة رجال القبائل إلى الالتفاف حول راية الإسلام للهجوم على بلاد الشام وهي المشهورة بخيراتها، وذلك يجعل جيش المسلمين يصل إلى حده الأقصى، إلا أننا لا نظن أنه بلغ القوة التي ذكرها الرواة، ولعلها بلغت أكثر من خمسة عشر ألفا.
ولما امتنعت القبائل العربية عن أداء الزكاة، وارتد البعض منها لم يكن في وسع الخليفة أن يجمع كل القوات التي يستطيع أن يعتمد عليها على ما سبق بيانه؛ لأن جيش أسامة كان في الشمال، وفيه نخبة الجنود المجاهدين، أما قريش وثقيف فكانتا بعيدتين عن دار الحركات؛ لذلك دعا أبو بكر القبائل الضاربة بين المدينة ومكة أولا، ولما رجع جيش أسامة استنجد به، ثم أخذ رجال قريش وبعض ثقيف ينضمون إلى الحملات.