تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأينا ملك قونية يلقبه بالوالد، وملك حلب يخاطبه بالمولى، والملك العادل الأيوبي يلتمس منه إجازة بخطه تبيح له قراءة كتبه وروايتها.

ثم يحدثنا التاريخ أن ملك الروم سعى يوما إليه ليزوره وينتفع بعلمه، فلما خرج من عنده خرج مصفر الوجه مرتعد الجوارح، فسأله بعض رجاله عن حاله، فقال: هذا رجل تذعر منه الأسود.

وسئل محيي الدين عن سر ذلك الرعب الذي يأخذ بالملوك والأمراء والسادة في مجالسه، فقال: «لقد خدمت بمكة رجلا صالحا، فدعا الله أن يذل لي أعز خلقه.»

محيي الدين الذي سعى إليه الملوك، وذل له الأمراء والسادة، صاحب السلطنة والشخصية الآخذة الزاحفة، كان آية الآيات في الزهد والقناعة والتواضع؛ لأنه مؤمن، والمؤمن يعرف أول ما يعرف قدر نفسه، وحقيقة واجباته، ولون رسالته.

هو العزيز القوي لدى الملوك والأمراء والسادة؛ لأنه يحب أن يقرع أسماعهم بكلمة الحق، يحب أن ينتزع من مخالبهم حقوق الضعفاء ولا سبيل إلى ذلك إلا بالقوة والعزة.

كان محيي الدين آية التواضع للضعفاء، بل الخادم الساعي في ركاب الصالحين والأولياء، خدم في إشبيلية امرأة عجوزا عابدة، وخدم في مكة رجلا صالحا فقيرا، وكان يسعى دائما إلى أمثاله خادما ومعينا، وهذا فرق ما بين عظماء المتصوفة وعظماء الدنيا.

ولعل من أسرار قوته الروحية العظمى، التي هي أساس بناء الشخصية الكاملة: عزمه القوي الذي تميز به، عزمه الذي سلطه على نفسه؛ فأخضعها وسيرها وتولاها حتى في منامها.

يقول ابن شودكين عنه: «كان محيي الدين يقول: ينبغي للعبد أن يستعمل همته في الحضور في مناماته؛ بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما، كما كان يحكم على يقظته، فإذا حصل للعبد هذا وصار خلقا له وجد ثمرة ذلك، وانتفع به في كل شيء.»

ولقد كان من ثمرات هذا العزم الجبار: المساهمة في بناء هذه الشخصية الجبارة المهابة، التي تحكمت في خيالها في يقظتها ومنامها.

| رجل الأسرار

معارف محيي الدين أمة قائمة بذاتها، معارف شاملة، محيطة بكل ما في هذا الكون من ألوان العلوم والمعارف.

ومحيي الدين مقتحم غواص، يدفع بقلمه العبقري إلى النقطة الصغيرة، التي تكاد لا ترى فيجول بقلمه فيها، فإذا بها تكبر وتتسع حتى تتحول إلى دائرة كبرى، تضم بين محيطها أقصى ما يتصور الخيال من ألوان وفنون.

وإذا تناول هذا الملهم الفياض مسئلة من المسائل، عرض لها من وجهة العلم الظاهري، ثم ينتقل إلى أسرارها في الباطن فترى عجبا، وسواء لديه أكانت أحاديثه في الفقه والتوحيد، أم في السحر والهندسة؛ فلكل علم ظاهره وباطنه، وواضحه وسره، وخيره وشره.

فإذا حدثك عن الطهارة في الفقه مثلا لخص لك أقوال علماء الظاهر، ثم انتقل إلى معارف الباطن؛ حيث يقول: «اعلم أن الطهارة في طريقنا طهارتان: طهارة غير معقولة المعنى، وهي الطهارة من الحدث، والحدث نفسي للعبد، فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته؟ فإنه لو تطهر من حقيقته انتفت عينه، وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفا بالعبادة؟ ولهذا قلنا: إن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، فصورة الطهارة من الحدث عندنا، أن يكون الحق سمعك وبصرك في جميع عباداتك.»

وإذا حدثك عن السحر، وهو علم مرقوم في رق الكون، عرض عليك أقوال رجاله، ثم ولى بوجهه إلى مملكة الباطن، فإذا السحر هناك مشتق من السحر، أي: الوقت الذي بين الظلمة والنور؛ ولهذا فهو باطل وحق، ومباح وحرام، وهدى وضلال، والفيصل في الأمر ميزان الشرع؛ فكل ضرر محرم، وكل نفع مشروع.

فإذا تهادن محيي الدين مع العلم الظاهر، وأقبل على الأسرار اللدنية وحدها؛ فهذا هو المحراب والهيكل الذي لا يلجه إلا أربابه، وما لآذاننا طاقة بما يتلى فيه.

وإذا أردت قطرة من هذا البحر، فلمحيي الدين كتاب مخطوط بدار الكتب المصرية يسمى «بالشجرة النعمانية»، وما أدراك ما الشجرة النعمانية؟! كتاب بين دفتيه أسرار وأسرار، من بعضها: حديث عجيب عن ملوك الإسلام من عصره إلى قيام الساعة! والأحداث الكبرى التي تمر بالأمة الإسلامية، وغير هذا وذاك مما تضيق عنه معارفنا، وقد تضيق عنه عقولنا.

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٧٩