ثم يقول: «إن بعض المستشرقين يمثلون مع الإسلام دور المدعي العام، الذي يحاول دائما إثبات الجريمة.»
إلى أن يقول: «وعلى الجملة فإن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين، تذكرنا بوقائع دواوين التفتيش، تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور الوسطى، أي: إن تلك الطريقة لم يتفق لها أبدا أن نظرت في القرائن التاريخية بتجرد، ولكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاج متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها لرأيها، ويختار المستشرقون شهودهم حسب الاستنتاج الذي يقصدون أن يصلوا إليه مبدئيا، وإذا تعذر عليهم الاختيار العرفي للشهود، عمدوا إلى اقتطاع أقسام من الحقيقة التي شهد بها الشهود الحاضرون، ثم فصلوها من المتن، أو تأولوا الشهادات بروح غير علمي من سوء القصد.
وليست نتيجة تلك المحاكمة سوى صورة مشوهة للإسلام، وللأمور الإسلامية، تواجهنا في جميع ما كتبه مستشرقو أوروبا.»
تلك شهادة من أهلها، شهادة عالم عالمي، بدأ حياته مستشرقا يفكر بتفكير رجال الاستشراق، وينظر بنظرتهم إلى الإسلام والمعارف الإسلامية، حتى أنقذه الله فهداه إلى الإسلام وكلمة الحق.
كلمة يشهد لها الواقع، تشهد لها تلك الكتب المتلاحقة المتتابعة التي يقذف بها رجال الاستشراق في وجه العالم الإسلامي ومحورها الإسلام والمعارف الإسلامية، ظاهرها البحث العلمي الحديث الذي يقوم على الاستقراء والاستنتاج، وباطنها تجريح الإسلام والنيل منه.
فرجال الاستشراق كما يقول «ليوبولد» تحدوهم دائما روح صليبية يمثلون مع الإسلام - والإسلام وحده - دور المدعي العمومي الذي يحاول دائما إثبات الجريمة!
دور محاكم التفتيش، التي تبدأ المحاكمة باستنتاجات متفق عليها من قبل، وبشهود مدربين مأجورين، وحتى إذا أخطأ الشاهد، فنطق بكلمة حق؛ فلا بد من تأويل تلك الكلمة لتجنح إلى الهدف المرسوم المحدد.
ورجال الاستشراق، خصوم للإسلام بصفة عامة، وللتصوف الإسلامي بصفة خاصة.
لأنهم علموا عن معرفة: أن التصوف هو قلب الإسلام الحي، وفلسفته المؤمنة المبصرة، هو المصباح الذي يضيء للقلوب المحمدية الطريق إلى خالقها؛ فقالوا كما قال المشركون من قبل:
لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون .
عبث رجال الاستشراق بمحاريب التصوف عبثا علميا خبيثا متعمدا، فتنادوا أول ما تنادوا - باسم الاستنتاج العلمي الحر - بأن التصوف ليس من الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعرف الروحانية، كما لا يعرف المثالية والترفع عن ماديات الحياة؛ وإنما هو وليد يمت بنسب صريح إلى البوذية الهندية، وبنسب صريح أيضا إلى الفلسفة الإشراقية اليونانية، وبنسب صريح للمرة الثالثة إلى الروحانية المسيحية، وإلى شخصية المسيح بالذات.
واستدلوا على دعواهم بأدلة أقرب إلى العبث والفكاهة، منها إلى مناهج العلماء، ورجال الفكر؛ وما قيمة الدليل إذا كان المدعي العمومي، قد أضمر الحكم سلفا؟
فالمستشرق اليهودي «جولد تسهير» مثلا، يبرهن في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام»
1 - على صلة التصوف الإسلامي بالبوذية الهندية، بقول أبو العتاهية الشاعر:
يا من ترفع للدنيا وزينتها
ليس الترفع رفع الطين بالطين
إذا أردت شريف الناس كلهم
فانظر إلى ملك في زي مسكين
ثم يقول: أو ليس هذا هو بوذا؟
هذا منطقهم، وتلك أدلتهم ...!
فإذا انتهى رجال الاستشراق من نشأة التصوف، ونسبتها العجيبة إلى كل دين في الأرض سوى الإسلام، عمدوا إلى تشويه أئمة رجال التصوف؛ تشويها عجبا، إنهم ليرمونهم بالكفر، وبماذا يكفرون؟ إنهم يكفرون بالإسلام، الإسلام الذي يدافع عنه رجال الاستشراق المؤمنون البررة، من يهود ومسيحيين!
ثم تتضخم التهمة وتكبر مع الزمن، حتى يجعلوا من رجال التصوف الإسلامي زنادقة فجرة، يلحدون في ذات الله - تعالى - بجعلهم الحق والخلق شيئا واحدا! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.