تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول مجد الدين الفيروز آبادي: «كما أعطى الله الكرامات للأولياء، أعطاهم من العبارات ما يعجز عن فهمه فحول العلماء.»

ويقول محيي الدين: «كثيرا ما يهب على قلوب العارفين نفحات إلهية، فإن نطقوا بها جهلهم من لا يعلم، وردها عليهم أصحاب الأدلة من أهل الظاهر، وغاب عنهم أن الله - تعالى - كما أعطى أولياءه الكرامات، أعطاهم العبارات المعجزة.»

لكل علم من العلوم اصطلاحاته الفنية، ولغته الخاصة؛ فيجب الإحاطة أولا بلغة التصوف ورموزه، قبل الجحود والإنكار.

يقول محيي الدين: «من لم يقم بقلبه التصديق لما يسمعه من كلام هذه الطائفة فلا يجالسهم، فإن مجالسهم سم قاتل.»

يحذر محيي الدين من سوء الفهم، أو سوء التأويل لكلمات العارفين، الذين أوتوا الكرامات، كما أوتوا الكلمات المعجزة، والرقائق الغالية، والدقائق المشرقة.

وسوء الفهم ، وسوء التأويل، هو الذي دفع بالكثير من رجال الفكر إلى مخاصمة محيي الدين والصياح به، والإنكار عليه، ولو ردوا ما أنكروه إلى أهله ورجاله، لعرفوا اليقين، ولمسوا النور المبين.

ومن تلك المتشابهات في كلام محيي الدين: أنهم نسبوا إليه وحدة الوجود، ونسبوا إليه أنه جعل الحق والخلق شيئا واحدا؛ حين قال:

فيحمدني وأحمده

ويعبدني وأعبده

يقول الشعراني: «هذا منطق عربي مبين، على نهج الأسلوب القرآني، وعلى صحة نسبة هذا القول إليه، فمعنى يحمدني: أنه يشكرني إذا أطعته، كما في قوله - تعالى:

فاذكروني أذكركم . وأما قوله: «ويعبدني وأعبده» أي: يطيعني بإجابته دعائي، كما في قوله - تعالى:

لا تعبدوا الشيطان

أي: لا تطيعوه، وإلا فليس أحد يعبد الشيطان كما يعبد الله - سبحانه.»

ومن المتشابهات أيضا عنده، والتي فسرها هو بنفسه، وعلى ضوء هذا التفسير يمكننا أن نمسك بمفتاح محيي الدين، الذي يرشد إلى إدراك حقيقة معانيه وحقيقة ألفاظه، أو حقيقة نهجه الذي تميز به، كما تميز كل كاتب بأسلوبه وتراكيبه. قال محيي الدين:

يا من يراني ولا أراه

كم ذا أراه ولا يراني

فسأله بعض صحبه لما سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ فقال محيي الدين على البديهة فورا:

يا من يراني مجرما

ولا أراه آخذا

كم ذا أراه منعما

ولا يراني لائذا

قال المقري، صاحب نفح الطيب؛ تعقيبا على هذا القول: «من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ - رحمه الله - مؤول وأنه لا يقصد ظاهره؛ وإنما له محامل تليق به؛ فأحسن الظن به، بل اعتقد، وللناس في هذا المعنى كلام كثير، والتسليم أولى، والله بكلام أوليائه أعلم.»

ذلك قول المؤرخ العظيم المقري، صاحب نفح الطيب، في وجوب الفهم والتذوق أولا، ثم حسن الظن وجمال التسليم؛ لأن لكلام العارفين الكمل محامل تليق به وتليق بهم، ورضوان الله على العارف القائل:

تركنا البحار الزاخرات وراءنا

فمن أين يدري الناس أين توجهنا

ولقد ذهب خصوم محيي الدين الذين ملئوا الدنيا حوله صياحا في حياته، ولاحقوه في تاريخه، ذهبوا وبقي محيي الدين؛ لأن الحق يبقى، وما كان خصومه بالنسبة إليه - كما قيل - بأكبر من ناموسة نفخت على جبل تريد إزالته، وتذهب الرياح بأمم من الناموس، وتبقى الجبال شوامخ راسيات، يثبت الله بها الأرض، وينفع بها الناس، وتتدفق منها الكنوز والخيرات.

| المستشرقون ووحدة الوجود

يقول العلامة «ليوبولد قايس» النمسوي الذي أسلم، وتسمى باسم: «محمد أسد» في كتابه الإسلام على مفترق الطرق: «قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها تحتفظ دائما فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين، جعلوا من أنفسهم فريسة للتحزب غير العلمي في كتابتهم عن الإسلام.»

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٦٠