ويقول محيي الدين: «إنما أضاف الله - تعالى - الأعمال إلينا؛ لأننا محل الثواب والعقاب، وهي لله حقيقة، ولكن لما شهدنا الأعمال بارزة على أيدينا وادعيناها لنا، أضافها الله - تعالى - إلينا بحسب دعوانا؛ ابتلاء منه لأجل الدعوى، ثم إذا كشف الله - تعالى - عن بصيرتنا، رأينا الأفعال كلها لله - تعالى - ولم نر إلا حسنا؛ فهو - تعالى - فاعل فينا ما نحن العاملون، ثم مع هذا المشهد العظيم لا بد من القيام بالأدب، فما كان من حسن شرعا أضفناه إليه خلقا وإلينا محلا، وما كان من سيئ أضفناه إلينا بإضافة الله - تعالى؛ فنكون حاكين قول الله - تعالى؛ وحينئذ يرينا الله - عز وجل - وجه الحكمة في ذلك المسمى سوءا، فنراه حسنا من حيث الحكمة، فيبدل الله سيئاتنا حسنات، تبديل حكم لا تبديل عين.»
ذلك هو الأدب العالي في التعبير، وذلك هو اللائق بالمؤمن أن يسلم لله بكل شيء، وأن يعلم في الوقت نفسه بأنه خلق ليكون محلا لجريان الأحكام الإلهية بحسب الحكمة الإلهية؛ فما كان حسنا فهو إلى الله ينسب، وما كان سوءا أضفناه إلى أنفسنا محلا، وإلى الله - سبحانه - خلقا، ولو تأمل الإنسان قليلا لعرف الحكمة ، ولرأى الشيء الذي ظنه سيئا جميلا نافعا؛ وحينئذ بفضل تسليمه وإيمانه يبدل الله سيئاته حسنات، تبديل حكم لا تبديل عين، وذلك هو الفضل العظيم، وتلك حكمة لا يدركها إلا الرجال من عباد الرحمن.
ثم يقول: «اعلم أن الله - تعالى - ما أضاف الفعل إلى العبد إلا لكونه - تعالى - هو الفاعل حقيقة، من خلف حجاب جسم العبد؛ فلم يكن الفعل إلا لله - تعالى، غير أن من عباد الله من أشهده ذلك، ومنهم من لم يشهده ذلك. قال - تعالى:
فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة . فالقسم الذي هداه الله هو الذي حفظه من دعوى الفعل لنفسه حقيقة، وأما القسم الذي تحق عليه الضلالة فهو الذي حار ولم يدر، وهم القائلون بالكسب وبخلق الأفعال.
قال إبليس: يا رب، كيف تقدر علي عدم السجود لآدم، ثم تؤاخذني به؟ فقال - جل وعلا: متى علمت أني قدرت عليك الإباية عن السجود، أبعد الإباية منك أم قبلها؟ فقال: بعدها. فقال: وبذلك آخذتك.»
ما يجري في الكون جفت به الأقلام، هكذا يقول الرسول؛ لأن «كل ميسر لما خلق له» بحسب علم الله القديم الأزلي، ولا يظلم ربك أحدا.
| بين التصوف والفلسفة
التقى محيي الدين في مطلع شبابه بابن رشد، فسأله ابن رشد: هل القمة التي وصل إليها الفلاسفة بالعقل والفكر، هي القمة التي وصل إليها المتصوفة بالتصفية والتجرد والذكر؟ فقال له محيي الدين: نعم، ولا. وبين «نعم ولا» تطير الأرواح.
نعم، لأن العقل قد يهدي إلى الله، ويدرك ويلمس أسرار الكون وعجائبه وآياته، ولكن العقل المجرد مع وصوله إلى تلك القمة ينحدر وينزلق، ويضل في المتشابهات، ويضل في تفهم ذات الله - سبحانه، فضلا عن ابتعاده عن التعبد والتطهر، وتحلله من الكمالات الشرعية والعبادات الربانية. أو كما يقول محيي الدين في حديثه عن ابن رشد: كان بيننا حجاب رقيق، فكنت أراه ولا يراني.
والعقل المجرد، ليس له من القيود ما يعصمه من سبحاته، التي تتطاير حول المعارف مع الريح في شتى الاتجاهات والغايات؛ فتصيب حينا وتخطئ أحيانا ، ولهذا قال محيي الدين: وبين نعم ولا تطير الأرواح.
1
ولا جدال في أن الفلسفة قد وثبت بالمعارف الإنسانية والعلوم النظرية وثبات لها أثرها ومكانتها في الفكر الإنساني، ولكن الفلسفة قد ضلت في الإلهيات؛ لأن ما وراء الطبيعة من فوق مدارك العقل، ولا أمان فيها إلا لطريق الوحي والإلهام.
يقول الغزالي في مقدمة كتابه «تهافت الفلاسفة»: «إن الفلاسفة من عهد أرسطو إلى عهدنا هذا، قد بنوا مذاهبهم في الإلهيات على ظن وتخمين، من غير تحقيق ويقين، ويستدلون على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين، نقية من التخمين، كعلومهم الحسابية والمنطقية؛ لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية والمنطقية.»