تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبذلك أغلق محيي الدين بابا من أبواب جهنم فتح على العالم الإسلامي، وأطفأ خصاما طال مداه واشتد خطره، وعاد بجمهرة الأمة من الجري وراء هذه الأوهام إلى حقائق الدين الثابتة، إلى الإيمان والتسليم والانقياد لمنطق القرآن، وسنة الرسول - عليه السلام.

ومحيي الدين يقول: «هذا هو حد الإيمان الواجب على المؤمنين كافة، أما من يريد بعد ذلك، أو فوق ذلك فهما لما يراد من حقيقة صفات الله - سبحانه - فليس سبيله العقل والفكر؛ وإنما هو الإلهام من الله - تعالى. يقول: فإذا خلع الله - تعالى - على عبده من علمه، أعلمه من طريق الإلهام بمراده من تلك الآية أو الحديث، وهو من علوم العارفين.»

القضاء والقدر - أفعال العباد

فإذا انتهى محيي الدين من صراعه مع الفرق الإسلامية المختلفة، حول صفات الذات والتشبيه والتنزيه والتأويل، انتقل إلى ميدان آخر من مشكلات الفكر ومعضلاته، مشكلة القضاء والقدر، وخلق أفعال العبد ونصيبه من عمله، وهو ميدان لعب فيه التأويل والجدل والحوار أيضا دورا كبيرا خطيرا.

ومسألة الكسب: اعترف رجال الأصول بأنها من أدق مسائلهم وأغمضها، وأعصاها على الفكر والعقل؛ هل الإنسان مجبر على ما يفعل، مقدر له ما يكسب؟ وإذن؛ فعلام الجزاء والعقاب؟ أم الإنسان مخير يصنع نفسه، ويخلق الحوادث، ويسهم في تكييف ما قدر له؟

وقد تلقف رجال الفكر والنظر هذا الإشكال فداروا به حول عقولهم، ودارت عقولهم به؛ فراحوا يشققون الأحاديث حوله، ويبتدعون الحلول والأقاويل، ولكنهم أبدا يجدون أنفسهم في حلقة مفرغة تأخذ بأعناقهم، يبدءون من حيث ينتهون، وينتهون من حيث يبدءون؛ فما سلم لهم رأي ولا خلص لهم فكر.

هتف رجال الجبر بأن كل شيء من الله، والإنسان آلة مجبورة مقصورة على ما تفعل، لا إرادة لها ولا تصريف، كالقلم في يد الكاتب والمنشار في يد النجار، وراحوا يضربون الأمثال للناس، حتى إذا قيل لهم: فكيف إذن يعاقب هذا المجبور المقهور على ما يفعل؟ صمت منهم اللسان وأغضوا الطرف حيرة وارتباكا.

وقالت المعتزلة: هذا لا يليق؛ لأن فيه نسبة الظلم إلى الله - تعالى، وهو - سبحانه - العادل الذي تسمو عدالته على الريب والظنون، وابتدعوا لهذا شيئا عجبا، هو أن القضاء والقدر معلق يقع عند العمل، وإرادة الإنسان هي الحكم بين حدوث الفعل أو عدمه، ولكن هل أغنى قولهم من الحق شيئا؟ وهل أشفى النفوس من الريب والشكوك، وتلك النفوس تشهد بأن كل شيء لله، ومن الله، بهذا نطق القرآن، وجاءت الأحاديث.

أما المتصوفة فقد نهجوا مسلكا وسطا، هو نهج السلف الصالح، كل شيء من الله هذا حق؛ ولكن الإنسان مكلف؛ وهو لهذا يعاقب، وكل إنسان يسره خالقه لما خلق له في علم الله الأزلي؛ وهو لهذا محل للعقاب والثواب.

وبهذا لم يدر المتصوفة مع الجدل، ولم تركض عقولهم مع شهوة الحوار، بل سلموا الأمر لله مع الأدب؛ فما يصيب الإنسان من خير فمن الله، وما يصيبه من سوء فمن نفسه التي علم الله خصائصها منذ الأزل، فيسرها لاستعدادها وطاقتها، وما انطوت عليه.

آمن رجال التصوف بأن كل شيء من الله، وأنه خالق الأشياء وخالق أسبابها، وأنه - سبحانه - يكون عند السبب وحاصله ونتيجته، وأن حكمة الله فوق عقولنا.

عن جابر - رضي الله عنه - قال: جاء سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن، فيم العمل الآن؟ أفيما جفت الأقلام، وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.» قال: ففيم العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وكل عامل بعمله.» (أخرجه مسلم).

هذا هو القول الفصل، والنبأ اليقين: كل ميسر لما خلق له، في علم الله المحيط بالأشياء عند حدوثها وقبل وجودها.

يقول الشعراني - رواية عن الشيخ طاهر الصوفي: «هذه مسئلة من تأملها وكرر النظر فيها علم غموض معانيها، وصعوبة مراقيها؛ وملخص الأمر: أن من زعم أن لا عمل للعبد أصلا فقد عاند وجحد، ومن زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك وابتدع، وما بقي مورد للتكليف إلا ما يجده العبد في نفسه من الاختيار للعمل وعدمه.»

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٣٧