تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول الأستاذ «ح. ب. نرند» في مجموعة تراث الإسلام؛ واصفا قرطبة في القرن الرابع الهجري: «وكان الرحالة القادمون من الشمال - من أوروبا - يتسامعون بين الخشوع والرهبة بأخبار المدينة التي كان بها سبعون دار للكتب، وتسعمائة حمام للجمهور.»

ذلك هو الأفق الأندلسي، الذي حلق فيه المسلمون بأجنحتهم الجبارة؛ فنظرت إليهم الأمم بعين الخشوع والرهبة، ثم هرعت إليهم؛ لتنهل من العلم، وتقتات من الإيمان، وتتزود بالهدى.

كانت الأندلس هي المنارة التي ترسل شعاعها كالشمس تنير جنبات الأرض، وتضيف إلى أمجاد الإنسان فنونا من العلوم، وألوانا من الآداب، وفيوضا من الكشوف العلمية، والفكرية والدينية.

وتجلت الأندلس، وتحلت بأجمل حلاها في القرن الخامس الهجري، حتى ليشبهها دوزي بالممر العالمي، والجسر الذي تلاقت عنده ثقافات أوروبا القديمة بتلك الثقافة المحمدية المقدسة المنتصرة، كما تدفقت إليها معارف الشرق الإسلامي؛ فنمت وزكت حتى غدت مجمعا أعلى للفكر الإنساني العالمي.

ولقد درج التصوف مع الفكر الإسلامي منذ يومه الأول، يصعد بصعوده ويهبط بهبوطه؛ كما تدرجت المعارف الصوفية تدرجا طبيعيا، من الزهد والعزلة والذكر والتصفية القلبية، وما يلهمه صفاء القلب من فهم في كتاب الله، وإدراك لأسرار كلام رسوله، كما نشاهد في صوفية القرن الأول إلى سمات امتاز بها القرن الثاني؛ إذ انتقل التصوف إلى آفاق أرحب وأشمل، إلى معارف الروح وإلهاماتها، ومعاني المحبة وأقباسها، وحنين القلوب وأشواقها، وتعددت مدارس التصوف، وتعددت ألوانه وطرائقه ومذاهبه، تعددا ظهرت آثاره واضحة مشرقة في صوفية القرن الثالث والقرون التالية.

فمدرسة سعيد بن المسيب، وهي مدرسة التصوف الممزوج بالفقه والتوحيد، بلغت ذروتها في الأعلام الهداة: الغزالي، والرفاعي، والجيلاني.

ومدرسة إبراهيم بن أدهم، وهي مدرسة التصوف الذي سمته المحبة المشبوبة، أنجبت ذا النون المصري، أكبر المتحدثين عن النفس ومقاماتها، والبسطامي العلم الفرد في توضيح حالات الفناء، وهي أسمى مراتب المريدين وأعلى قمة المحبين؛ حيث تنكشف في ساحاتها الحقائق الإلهية المكنونة على غير أهلها، وحيث تسمو الروح في رحابها إلى مرتبة الفيض والإشراق.

ثم يأتي دور الكمال الصوفي، ممثلا في شيخ الطريقة الجنيد، ودور الإبداع الفني في المحب الفاني الحلاج، الذي شرب من كأس الحب، حتى انتشى ثم غرق؛ فكان فتنة للناس، ودور الكمال العلمي متجليا في العبقري شهاب الدين السهروردي؛ رئيس الإشراقيين، وابن سبعين الصيقلي إمام المفسرين وعمدة الشارحين.

فإذا نمت للتصوف في القرن الخامس الهجري مدرسة جامعة، مميزة بسمات وعلامات، لها عناصرها وعلومها، وأساتذتها ومريدوها، وإذا تم للتصوف نفوذ القوي الغلاب على الأرواح والقلوب في سائر أنحاء المجتمع الإسلامي، وشيد الصرح الأسنى ورفعت قواعده؛ فقد آن له أن يتحلى بالمحراب والإمام والزعيم الأكبر في علوم الفيض والإلهام، وفنون العطايا الإلهية، والمعارف اللدنية، والكاتب المصطفى الذي يهب الحياة والخلود، لكل ما تدركه خواطره، أو يمسه قلمه، أو ينفث في قلبه من هدى ونور.

وجاء محيي الدين، على عرش قدر وأعد، فكان اسمه يحمل حقيقة رسالته، وكانت سمته الغلابة السلطنة والسيادة، وكان مقامه من التصوف كلمة الإمام صفي الدين: «الجنيد يربي المريدين، ومحيي الدين يربي العارفين.» وتربية العارفين - وهم من هم - قمة في التصوف تفرد بها، فهو أولها وهو أيضا ختامها.

جاء محيي الدين في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية الأندلسية، جاء في عصر مأهول بالعلماء، عامر الأفق بنجوم السماء، فلما ألقى من فيض ما تلقى بيانه وهداه، خشعت له القلوب، ودانت له العقول، ثم طوف في رحاب العالم الإسلامي، كالغيث المبارك أينما حل هطل فأنبت وأحيا.

محيي الدين بن عربي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محيي الدين بن عربيص ٣