ومضت سنون، فإذا بفرسان الصحراء يستبدلون بصهوات جيادهم الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، المتحكمات في عروش الماء، وإذا بالمحيطات ميدان جديد لتلك القوة الفوارة بالبأس، الرحيمة بالهدى والإيمان.
وانطلقت سابحات الماء العربية تجوب البحار، وتقرع أبواب أوروبا؛ فيتم لها التطواف حول الأرض حتى لا تكون فتنة، وحتى يكون الدين كله لله.
وكانت الوثبة الأولى على الجزيرة الخضراء؛ مفتاح أوروبا ورأسها المفكر، وبسيادة العرب على الأندلس أضاء الإسلام قارات الدنيا الثلاث المعروفة في ذلك الحين؛ فتمت له السيادة العالمية.
وفي الأندلس دخلت الحضارة المحمدية أفقا جديدا، والتقت وامتزجت بثقافات وعادات وأمم جديدة. وإلى الأندلس - وهي أقصى مد للموجة الحربية المنتصرة - نفر الأبطال والرجال أولو البأس والعزم والطموح، وإليها - وهي أبعد المراكز الإسلامية عن مقر الخلافة الحاكمة ذات العنفوان والجاه - هرع الأحرار والعلماء ورجال الفكر.
وبذلك ظفرت الأرض الجديدة بالصفوة المختارة؛ فتهيأت لأن تكون مهدا وساحة للعصر الذهبي في الإسلام، وأعدت لمشاهدة أعظم حضارات العالم القديم.
يقول كاتب إسبانيا الأكبر «بلاسكوا أبانيز» في كتابه - ظلال الكنيسة - متحدثا عن العصر الإسلامي في إسبانيا: «... وأخذ فرسان محمد
صلى الله عليه وسلم
يتدفقون من جانب المضيق، فتستقر معهم تلك الثقافة الغنية الموطدة الأركان، نابضة بالحياة، بعيدة الشوط، ولدت منتصرة، وبث فيها النبي حمية مقدسة، واجتمع لها ما في وحي إسرائيل، وعلم بيزنطية، وتراث الهند، وذخائر فارس، ومعارف الصين.»
ثم يقول: «لقد نمت في إسبانيا ما بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر، أجمل الحضارات وأغناها، وفي الوقت الذي كانت فيه أمم الشمال فريسة للفتن الدينية والمعارك الهمجية، كان سكان إسبانيا العرب يزدادون؛ فيزيدون على ثلاثين مليونا، تنسجم بينهم جميع العناصر البشرية، والعقائد الدينية، وخفق قلب الحياة الاجتماعية بأقوى نبضاته التي عرفها التاريخ؛ فلا ترى لها قرينا تقابله به غير ما نجده في الولايات المتحدة الأمريكية، من تنوع الأجناس، واتصال الحركة والنشاط؛ فعاشت في الأندلس تحت ظلال العرب طوائف من النصارى وأهل الجزيرة ويهود إسبانيا والمشرق، فكان منهم ذلك المزيج العجيب، وعاشت - بفضل ذلك التفاعل بين العناصر والعروق - جميع الآراء والعادات، وتمت الكشوف العلمية والأنظمة الفنية، وانبعثت - من تجاوب هذه القوى - مواهب الإبداع والتجديد.»
تلك شهادة كاتب أوروبي معاصر متعصب، تنطق في حرارة عميقة بعظمة تلك الحضارة الإسلامية، التي أشرقت في الأندلس، وهي حضارة لم يجد لها الكاتب مثيلا من حيث العظمة، والضخامة، والسرعة، والإنتاج، والمعارف العلمية إلا حضارة الولايات المتحدة الحديثة.
وأي حضارة تسابق تلك الحضارة الأندلسية؟ وأي أيام تضارع أيام الحكم الثاني؛ أحد ملوكها الذي أسس في قرطبة وحدها سبعا وعشرين مدرسة للتعليم المجاني؟ كما أنشأ في قصر مروان مكتبة، ضمت أكثر من ستمائة ألف مجلد، وجعلها بين الحدائق والرياض للعلماء والأدباء والشعراء، كما أصدر أمرا ملكيا لا يزال إلى يومنا عجبا من أعاجيب التقدم الإنساني، بل حلما من أحلام رجال الإصلاح الاجتماعي، فقد خصص في هذا الأمر لكل أعمى مرشد يقوده، ولكل مريض طبيب يعالجه، ولكل أمي هاد يرشده ويثقفه.
يقول المستشرق دوزي في كتابه «تاريخ المسلمين بإسبانيا»: «لقد كان كل فرد في الأندلس يعرف القراءة والكتابة، بينما كان نبلاء أوروبا لا يعرفون حتى التوقيع بأسمائهم، وكانت جامعة قرطبة منارة للعلم، لا تزاحمها منارة تماثلها في العالم، تدرس فيها العلوم الطبية والرياضية والفلكية والكيميائية دراسة ورثتها أوروبا؛ فأضاءت لها الطريق إلى هذا الملك العريض.»