بل إنه لخصم للكرامات وطلابها، وما رأيته يعنف في نقاش، وما رأيته يقسو في جدال، إلا حين يغمس قلبه القوي العبقري في تلك الأحاديث، ويتناول بأنامل أستاذيته المرشدة آذان أصحابها.
فهو يراها حلى براقة للعاطلين من سواها، يشتغل بها من تقعد به أجنحته عن التحليق في آفاق أعز وأكرم.
والكرامة المعنوية عند محيي الدين هي أعلى ألوان الكرامات، التي لا يعرفها إلا الخواص من عباد الله - سبحانه، وهي هدفه ومبتغاه.
وليس للعامة في تلك الكرامة نصيب، وليس لطلاب الأولى سهم هنا.
والكرامة المعنوية: هي أن يحفظ الله - سبحانه - للعبد المختار آداب الشريعة، وأن يوفقه لإتيان مكارم الأخلاق، واجتناب سفاسفها، والمداومة على الواجبات في أوقاتها، والمسارعة إلى الخيرات، وإزالة الغل للناس من صدره، والحسد والحقد وسوء الظن، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة، وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس.
أما الكرامة المادية التي يعرفها العامة، فكلها يمكن أن يدخلها المكر السيئ، أو الاستدراج الخفي الذي لا تؤمن عقباه، بل هي على أحسن حالاتها وفروضها، جزاء وفاقا على أعمال طيبة وعبادات متتابعة، ومن تنعم في الدنيا على أعماله، فقد أخذ جانبا من الجزاء؛ فيخفف له العطاء يوم العطاء.
سئل أبو اليزيد البسطامي عن طي الأرض، فقال: ليس بشيء؛ فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة، وما هو بمكان عند الله.
وسئل عن اختراق الهواء، فقال: إن الطير ليخترق الهواء، والمؤمن عند الله عقلا وشرعا أفضل من الطير، فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر؟!
ثم قال: إلهي، إن قوما طلبوك لما ذكروه، فشغلتهم به، وأهلتهم له، مهما أهلتني لشيء، فأهلني لشيء من أشيائك، أي: من أسرارك.
فما طلب أبو اليزيد إلا العلم؛ والعلم أفضل ما في فضل الله. قال - تعالى:
آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما .
فالعلم أفضل الكرامات المعنوية، وهي الكرامة التي ظفر بها محيي الدين؛ فخلد في دنياه وفاز برضوان الله.
بين الشطح والفتوة
وكما كان محيي الدين من خصوم الكرامات المادية، فهو أيضا من خصوم الشطح والشاطحين؛ لأن الشطح لون من ألوان الفخر، أو لون من ألوان المباهاة والتطاول، وأصله دعوى يفصح بها الشاطح عن مرتبته التي أعطاها الله له من غير أمر إلهي على طريقة الفخر.
والشطح ذلة المحققين، أو كما يقول محيي الدين: «لقد وقع من بعض الأكابر ولا أسميهم؛ لأنه صفة نقص، وأما من سواهم فلا كلام لنا معهم؛ لأنهم رعاع بالنظر إلى هؤلاء السادة، وإذا وقع مثل هذا من السادة، فعليهم يقع العتب منا.
وليس الشطح من الفتوة كما يدعون؛ فالفتي لا يراعي الخلق، ولا يتعالى عليهم؛ لأن التعالي إنما هو لله - سبحانه وتعالى، وأصل الفتوة أن تخرج عن حفظ نفسك إيثارا لحظ غيرك، وحقيقتها أن يؤثر الإنسان العلم الوارد من الله على ألسنة الرسل على هوى نفسه، وعلى أدلة عقله، وما حكم به فكره ونظره.
هذا هو الفتي، فإذا ورد على نفسه خاطر أوهمه بأنه أمر إلهي يعارض الشرع المقرر؛ فقد خيل له أو التبس عليه، فيرمي به ولا يلتفت إليه، ويرجع إلى حكم الشرع الثابت؛ فإنه قد ثبت عند أهل الكشف جميعا: أنه لا تحليل ولا تحريم، ولا شيء من أحكام الشرع، بعد انقطاع الرسالة والنبوة، لأحد من خلق الله.
وقد وقفنا بقوم من أهل الله ممن التبس عليهم هذا المقام، والتبست عليهم الواردات؛ فشطحوا وتفاخروا، فابتعدوا عن ربهم، فإنه لا يكون الشاطح عند شطحه وليا لله أبدا.»
ذلك هو الرأي الفيصل لمحيي الدين في الكرامات المادية، والمتفاخرين من الشاطحين، الذين لغوا في محاريب العبادة بما لا ينبغي.
وما كان محيي الدين، ولا ينبغي أن يظن به - إذا حدثنا عن فتوحاته ومقاماته - ظن السوء، من دعوى الغرور والتباهي؛ فهو إنما يتحدث للعلم والإرشاد، وليضع يبن أيدينا تلك الكنوز التي تفيض بها كتبه، ويزخر بها تراثه.