ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله . فأخر الاستثناء وقدمه موسى، فلم يصبر. فلو أخره لصبر.
وقد رويت في هذا المعنى حكاية عجيبة عن يهودي، أخبرني بها محمد بن موسى، قال: كان رجل بالقيروان أراد الحج، فتردد خاطره في سفره بين البر والبحر، فقال: إذا كان صبيحة غد أول رجل ألقاه أشاوره؛ فحيث يرجح لي أحكم به، فأول من لقي يهودي فتألم، ثم عزم وقال: والله، لأسألنه، فقال: يا يهودي، أشاورك في سفري هذا، هل أمشي في البر أو في البحر؟ فقال له اليهودي: يا سبحان الله! وفي مثل هذا يسأل مثلك، ألم تر أن الله - سبحانه - يقول لكم في كتابه:
هو الذي يسيركم في البر والبحر
فقدم البر على البحر، فلولا أن لله فيه سرا ما قدمه، وهو أولى بكم، إلا إذا لم يجد المسافر سبيلا إلى البر. قال: فعجبت من كلامه وسافرت في البر فلقيت خيرا كثيرا.»
وقد أنكر الإمام الغزالي هذا المقام بصفة عامة، وقال: «ليس بين الصديقية والنبوة مقام، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة، والنبوة باب مغلق.»
ومحيي الدين لم يقل أبدا، بأن الولي يرقى مرقى النبوة؛ فلا نبوة ولا رسالة بعد أن ختما بأشرف خلق الله، بل يقول في رده على الغزالي: هذا فضل الله يهبه لمن يشاء، وليس على أفضال الله قيد، ولا لبشر أن يتحكم في عطاياه، ومن ذاق عرف، وليس لمن لم يذق حكم على من ذاق.
ومحيي الدين يقول أيضا: إن هذا المقام قد يعطي علما لا ذوقا لعلماء الرسوم، أي: علماء الفكر والاجتهاد والتبحر في المعارف، وهم يختلفون في علومهم؛ لعدم تذوقهم ولاعتمادهم على الأدلة التي تصيب وتخطئ، بخلاف الذوق عند أهل الكشف والفيض.
وهو هنا كعادته - خلافا للمتصوفة - يعلي من شأن علوم الفكر والعقل والاجتهاد، حتى ليقول بصوابهم جميعا على اختلافهم وتلاحيهم؛ وهذا ما لم يقولوه هم أنفسهم، ما دام الاختلاف والتلاحي في الفروع لا في الأصول.
وتلك سماحة في فهم الدين، وهذا إجلال للعقول، يدل على رحابة أفق وسعة صدر إمام المتصوفة، المتصوفة الذين هوجموا أمر الهجوم وأعنفه من رجال الفقه والاجتهاد.
وبهذا المقام أكمل لمحيي الدين ما قدر له من عطايا ربه، وهو مقام - لو تعلمون - عظيم.
شعرة محمدية
فإذا ظفر محيي الدين بكل تلك الهبات والعطايا، وإذا نعم بالمقامات العليا، كالصديقية والقربة، فماذا بقي؟ يقول محيي الدين: إن الفتح على قدر الهمة. ومحيي يحمل بعزماته الجبال، وعطايا الله - سبحانه - لا حدود لها.
يقول محيي الدين: إنه ظفر بعد ذلك بهدية دونها كل الهدايا، هدية لم تكن عن سؤال، وإنما كانت عن عناية ورعاية.
وتلك الهدية عبارة عن شعرة من الرسول - صلوات الله عليه، ويقول لنا: إنه أوجس في قلبه خيفة، وخشي على نفسه؛ فقد كاد أبو يزيد البسطامي أن يهلك قلبه؛ حينما خيل إليه أنه أهل لشيء أكبر من طاقته، ولنترك محيي الدين يحدثنا: «وقد حصل لنا منه
صلى الله عليه وسلم
شعرة، وهذا كثير لمن عرف، ولما أطلعني الله - سبحانه - على ذلك، لم يكن ما نلت عن سؤال؛ وإنما كان عن عناية الله، ثم إنه أيدني فيه بالأدب رزقا من لدنه وعناية بي، فلم يصدر مني ما صدر من أبي اليزيد.
فلما جاء الأمر وأخذت أرقى وتنكشف لي أمور بفضل تلك المنحة، علمت أن ذلك خطاب ابتلاء لا خطاب تشريف، على أنه قد يكون بعض الابتلاء تشريفا؛ فتوقفت وسألت الحجاب.
ولكني منحت الشعرة اختصاصا إلهيا؛ فشكرت الله على الاختصاص بتلك الشعرة، غير طالب بالشكر الزيادة، وكيف أطلب الزيادة من ذلك، وأنا أسأل الحجاب الذي هو من كمال العبودية؟!»
وبتلك المنحة تم لمحيي الدين أكمل ما ينال عباد الرحمن الذين اصطفاهم لعلمه، واجتباهم لمحبته ورضاه.
محيي الدين والكرامات
ومحيي الدين لا يذكر معراجه في المقامات، وتقلبه في الأحوال، وأحاديثه المنامية مع الرسول - صلوات الله عليه، وحضوره في مشاهد الحق - سبحانه - ليفتخر بكرامة، أو يدل بهبة، أو يتيه على الناس بحظوظ وعطايا، فمحيي الدين قد تحقق من مقام العبودية وذاقها، وهي أسنى المراتب وأعلاها، وليس من شذاها جنوح إلى فخر أو ميل إلى تيه وتكبر.