تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك هي الصوفية الكاملة التي يصفها الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال بقوله:

إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه؛ لم يجدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.

وماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها، وأول شروطها تطهير القلب عما سوى الله تعالى، ومفتاحها استغراق القلب بالكلية في ذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟!

وأول هذه الطريقة المكاشفات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.

التصوف الإسلامي ومراحله

ينقسم التصوف الإسلامي إلى قسمين؛ قسم يتعلق بالتربية وتهذيب الروح ونبل الخلق والتحلي بالفضائل والمحاسن الأدبية، وهو ما اصطلح على تسميته بعلم المعاملة، وقسم يتعلق بالرياضة الروحية والعبادة وما فيها من نور وطهر وكشف وفيض.

والقسم الأول:

هو عماد فلسفة الغزالي الأخلاقية، بل هو عماد كتابه الأكبر «الإحياء» الذي خلد في تاريخ الفكر الإسلامي، وخلد به الغزالي ك «حجة للإسلام» بتوضيح فضائله وأنواره.

وهو مادة دسمة لرواد الأخلاق، ومادة دسمة لمن يبغي إنسانية نبيلة مهذبة لا تعرف التخاصم والتنابز بالألقاب، ولا تعرف الفسوق والجدال وسوء الخلق، وفيه تتجلى وتبرز معاني الحديث الشريف: «وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.»

وأما القسم الثاني:

وهو قسم العبادة والفيض: فأول شروطه - كما يقرر الغزالي - معرفة الكتاب والسنة معرفة عليا، خلافا لمن قال: إن الفيض يأتي بالطهارة فقط، ولو لم تكن هناك معرفة بالكتاب والسنة والفقه، ويسمى هذا القسم في اصطلاحاتهم ب «الطريق» وقد قسموه إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى:

مرحلة العمل الظاهر؛ أي مرحلة العبادة والإعراض عن الدنيا وزخرفها وزينتها، والزهد في شهواتها، والانفراد والعكوف على الذكر والاستغفار.

والمرحلة الثانية:

مرحلة العمل الباطني، بتزكية الأخلاق وتطهير القلب، وتصفية الروح ومحاسبة النفس ومراقبتها، والتجمل بالأخلاق النبيلة والصفات الزكية.

والمرحلة الثالثة:

مرحلة الرياضة والمجاهدة التي يقول فيها الرسول: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، وبتلك المجاهدة يقوى سلطان الروح، وتتحرر النفس من الأدران الأرضية؛ فتسمو وتصفو حتى تنطبع فيها حقائق العالم وأسراره، وينسكب في القلب نور ينكشف به جمال العالم وجلاله ودقائقه وأسراره، فيرق الحس ويتنبه الشعور ويستيقظ الإحساس، فتكون حركة حياة في المشاعر عامة، وتشعر تلك المشاعر بلذة عليا وعلوم نورانية تقوى في النفس حتى تصير صفة لازمة، ويتوالى الكشف للنفس وتزاح عنها الحجب شيئا فشيئا، حتى تصل إلى الأنوار العليا في عرفهم.

أما المرحلة الرابعة:

فهي مرحلة الفناء الكامل بوصول النفس إلى مرتبة شهود الحق بالحق، وانكشاف ووضوح العوالم الخفية والأسرار الربانية، وتوالي الأنوار واللذة الروحانية.

وتلك المرحلة هي مرحلة الخطر، ومن أجلها نشبت المعارك بين الفقهاء والصوفية، ومنها نشأ التيه لكثير من الصوفية؛ لأن من تزل قدمه هنا ضاع إلى الأبد.

وتلك المرحلة لا تكتب ولا توصف؛ لأنها خارجة عن نطاق التصور العقلي، والغزالي وهو علم الصوفية وكاتبها الأكبر لم يتعرض لها، ولم يشغل قلمه بها، وإن كان لم ينكرها، بل تركها لأصحابها وأربابها.

الغزالي · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ١٦