تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعبر الغزالي عن المعرفة بقوله: «إنها نور يقذف في القلب.»

وقد كان الإمام مالك يقول: «ليست المعرفة بكثرة الرواية، ولكنها نور يضعه الله تعالى في القلب.»

وقد أثار التصوف جدلا وحوارا، ولا يزال يثير جدلا وحوارا في الفكر الإسلامي، وأكبر الظن أن هذا الجدل، أو هذا الحوار سيبقى خالدا ما بقي الفكر.

والذين نقدوا التصوف الإسلامي وجهوا نقدهم الأكبر إلى أهداف ثلاثة.

فالفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية عابوا طريقته إلى المعرفة، وأنكروا أن يكون التفرغ والتجرد من متع الحياة والزهد في شهواتها ونعيمها سبيلا إلى المعرفة، بل سبيل المعرفة عندهم هو تغليب أرقى أجزاء النفس على الحواس، وهم يقصدون بذلك قوى العقل وإرادته، كما وصفوا الانتصار العقلي على الحواس بأنه أرفع مراتب السعادة كما يقول ابن رشد.

وهم بذلك يؤيدون الصوفية أكثر مما ينقدونها أو ينقضونها؛ لأن في سعيهم إلى تغليب العقل نزوعا إلى الصوفية وإن اختلف الوضع، فنادوا بالعقل، وناد المتصوفون بالروح.

وعلماء الاجتماع ورجال الأخلاق تهكموا بالصوفية وأساليبها، وأسرفوا في التهكم والتجريح؛ لأنها في نظرهم لا تصلح للحياة العملية، ولا يقوم بها نظام المجتمع، ولا يمكن أن تتأسس على نظمها الزاهدة الأمم.

وتلك شهادة للتصوف لا عليه، فهي تدل ضمنا على أنهم لا ينشدون مظهرا في الحياة ولا غلبة في مضمارها، ولا يبغون مأربا، ولا يلتمسون مغنما من مغانمها، وإنما ينشدون طهرا وقربا من الله، وفوزا برضوانه وعبادة للعبادة، بل إن التصوف الإسلامي جعل العبادة أصلا والمعرفة فرعا.

والصوفيون لا يقولون إن طريقهم للناس جميعا؛ لأن المثالية لم تكن يوما من الأيام شرعة مباحة لكل من يخطر بقدمين على الكوكب الأرضي.

وليس في استطاعة الناس جميعا أن يكونوا ملوكا، ولا أن يكونوا فلاسفة أو أطباء مثلا أو غيرهم من الطوائف والمذاهب العقلية والعلمية.

وأما الفقهاء وعلماء الكلام: فقد هاجموا المتصوفة هجوما عنيفا، بل غالوا في هجومهم حتى رموهم بالمروق والضلال ومفارقة الشريعة وظاهر السنة.

وهنا موقف دقيق، ففريق من المتصوفة قد غالوا وأفرطوا، كجماعة الحلوليين الذين قالوا بوحدة الوجود، وفريق آخر عبث بظاهر الشرع، وأفرط في السبحات والوثبات والاستغراقات حتى تحلل من الفرائض والآداب.

ولكن التصوف الصادق لا يعترف بهؤلاء ولا هؤلاء، بل يبرأ منهم ويهاجمهم بأشد من هجوم الفقهاء أنفسهم.

ودستور الصوفية وصفاتهم يرسمه الغزالي ويوضحه بقوله في كتاب «ميزان العمل» عند ذكره لعلامات السائرين إلى الله فيقول:

اعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعي فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له؛ العلامة الأولى: أن تكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان الشرع، موقوفة على حد توقيفاته، إيرادا وإصدارا وإقداما وإحجاما؛ إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها، ولا يصل فيه إلا من واظب على جملة من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟! والسالك لسبيل الله يعرض عن الدنيا إعراضا لو ساواه الناس كلهم لخرب العالم.

فإن قلت: فهل تنتهي رتبة السالك إلى حد ينحط عنه بعض وظائف العبادات، ولا يضره بعض المحظورات، كما نقل عن بعض المشايخ من التساهل في هذه الأمور؟ فاعلم أن هذا عين الغرور، وأن المحققين قالوا: لو رأيت إنسانا يمشي على الماء وهو يتعاطى أمرا يخالف الشرع فاعلم أنه شيطان، وهو الحق.

وإذن؛ فالغزالي يقرر بأن المتصوفين فئة خاصة، ولا يمكن أن يكون العالم على مثالهم، وإلا لخربت الدنيا، وتغيرت معالمها وفسد نظامها.

كما أنه يربط التصوف بالشريعة رباطا لا ينفصم، فيجعل التمسك بقواعد الشريعة بداية السالك، فإذا خالف الشريعة ولو سار على الماء وطار في الهواء فهو شيطان.

الغزالي · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الغزاليص ١٥