بالإشارة -: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: يعني إني أَوْجَبْتُ على نفسي إمساكاً عن الكلام وصمتاً للهِ تعالى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (وقد كان السكوت عبادةً في شَرْعهم، ولكنّ الإسلام نَسَخَ ذلك، فلم يَجعل الصمت عبادةً في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم).
- الآية 27، والآية 28، والآية 29: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾: يعني فجاءت مريم - من المكان البعيد - إلى قومها، وهي تَحمل ولدها في يدها، فلمَّا رأوها كذلك ﴿قَالُوا﴾ لها: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: أي لقد جئتِ أمرًا عظيمًا (يقصدون بذلك: الزنا والعياذ بالله)، وقالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ﴾ الرجل الصالح ﴿هَارُونَ﴾ ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾: يعني لم يكن أبوكِ رجلاً يأتي الفواحش، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾: يعني وما كانت أمك زانية، بل كانت عفيفة طاهرة، فكيف حَصَلَ لك هذا؟، ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾: أي فأشارت مريم إلى ولدها الرضيع ليسألوه ويُكَلِّموه، (لأنها علمتْ أنه يَتكلم عندما ناداها مِن تحتها)، فـ ﴿قَالُوا﴾ - مُنكِرينَ عليها -: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾؟! يعني كيف نُكَلِّم مَن لا يزال طفلاً رضيعًا في مَهده؟!
- من الآية 30 إلى الآية 33: ﴿قَالَ﴾ عيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ (فألقى اللهُ سبحانه على لسان عيسى إقراره بعبوديته للهِ تعالى - رغم أنّه كان من المتوقع أنْ يُبرئ أُمَّه من الزنا أولاً - وذلك لأنّ اللهَ تعالى عَلِمَ أنّ قوماً سيَزعمونَ أنه ابن الله، وحتى لا يُفتَن أحدٌ بنُطقه وهو رضيع، فيَزعم أنه إله أو ابن إله)، تعالى اللهُ عن قول النصارى الذين يُخالفونَ عيسى عليه السلام في قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ثم يَدَّعونَ اتِّباعه.
????? وقال عليه السلام: ﴿آَتَانِيَ الْكِتَابَ﴾: أي قَضَى ربي بإعطائي الكتاب - وهو الإنجيل - ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، (وكذلك أخبرهم عليه السلام بما كتبه اللهُ له في المستقبل)، فقال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ أي جعلني عظيمَ الخير والنفع حيثما كنت، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾: أي وجعلني بارًّا بوالدتي، مُطِيعاً لها، لا يَنالها مِنّي أذى، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: أي لم يَجعلني متكبرًا عن طاعة والدتي، ولا عاصيًا لأمْر ربي، (واعلم أن الجبّار هو المتكبر على الناس، الغليظ في معاملتهم، واعلم أيضاً أنّ الشَقي هو الضال الخائب في مَسعاه)، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ يعني: والأمان عليَّ مِن اللهِ تعالى ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ - من أن يُصيبني الشيطان بسُوء -، ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ أمانٌ لي من فتنة القبر، ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ أمانٌ لي من الفزع الأكبر يوم القيامة (فأكون من الآمنين السعداء، في الجنةِ دار السلام).
????? وللرد على مَن أنكر نُطق عيسى عليه السلام في المهد: نقول لهم بأنّ شريعة اليهود كانت تقتضي رَجْم الزانية، فلمَّا اتَّهموا مريم عليها السلام بالزنا، ثم لم يَرجموها، تبَيَّنَ أنّ هناك شيئاً عجيباً قد حدث، مَنَعهم مِن فِعل ذلك وأثبَتَ برائتها (وهو نُطق عيسى عليه السلام في المَهد).