2. الربع الثاني من سورة إبراهيم
الآية 35، والآية 36: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي اذكر أيها الرسول حين قال إبراهيمُ - داعيًا ربه، بعد أن أسْكَنَ ابنه وزوجته وادي "مكة" -: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ - أي مكة - ﴿آمِنًا﴾ مِن كل خوف، ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ يعني: وأبعِدني وأبنائي عن ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ - أي الأصنام - قد ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾: أي تسبَّبتْ في إبعاد كثير من الناس عن طريق الحق ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ أي اقتدى بي في التوحيد: ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي على ديني، ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ أي خالفني في شيءٍ أقل من الشرك: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ﴾ لذنوب المذنبين - بفضلك - ﴿رَحِيمٌ﴾ تعفو عمَّن تشاءُ منهم.
الآية 37: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي مِن بعض ذريتي - وهو "إسماعيل" وأمّه "هاجَر" - ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أي: وادي ليس فيه زرعٌ ولا ماء ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ﴿رَبَّنَا﴾ إنني فعلتُ ذلك بأمْرك ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ في مكة، (ولَعَلَّه خَصّ الصلاة بالذِكر لأنها العبادة التي تشتمل على الذِكر والشُكر) ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾: أي اجعل قلوب بعض خَلقك تَحِنّ إليهم وتَميل (رغبةً في الحج والعمرة) ﴿وَارْزُقْهُمْ﴾ في هذا المكان ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي لكي يَشكروا نِعَمَك العظيمة عليهم (فاستجاب اللهُ دعاءه).
الآية 38، والآية 39: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أي تَعلم سبحانك كل ما نُخفيه وما نُظهره (ومِن ذلك عِلمك بحزني على ترْك إسماعيل وأُمّه في هذا المكان، فاحفظهم)، ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
?ثم أثْنَى إبراهيم على اللهِ تعالى قائلاً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ أي رَزقني - رغم كِبَر سِنِّي - وَلديَّ ﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ بعد أن دعوتُهُ أن يَهَب لي من الصالحين ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ مِمَّن دعاه، وقد دعوتُهُ ولم يُخيِّب رجائي.
الآية 40: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ أي اجعلني مُداوِمًا على أداء الصلاة على أتمّ وجوهها، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ يعني: واجعل مِن ذريتي مَن يُحافظ عليها، ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: أي استجب دعائي وتقبَّل عبادتي.
الآية 41: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي﴾ ما وقع مِنّي مِمَّا لا يَسلم منه البشر ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ أي: واغفر لوالديَّ - وهذا قبل أن يَعرف أنّ والده سوف يموت على الشِرك -، فلمَّا تبيَّنَ له أنه عدوٌ للهِ تبرَّأَ منه (كما جاء في سورة التوبة)، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أي: واغفر للمؤمنين يوم يقوم الناس للحساب والجزاء، (واعلم أنّ استخدام لفظ "يقوم" مع "الحساب" هو كقول العرب: (قامت الحرب على ساق)، يقصدون بذلك: اشتداد الأمر، وصعوبة الحال).