الدُّنْيَا} مَهما كانت الفِتَن والمِحَن، حتى يُوَفّقهم لنُطقها وهُم في سَكَرات الموت، ﴿وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ أي يُثَبِّتهم عليها في القبر (إذ هو عَتَبة الدار الآخرة)، وذلك عند سؤال المَلَكين، فيَهديهم سبحانه إلى الجواب الصحيح ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عن الصواب في الدنيا والآخرة، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من توفيق أهل الإيمان وخِذْلان أهل الكفر والطُغيان.
الآية 28، والآية 29: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ - وهم كفار قريش، الذين اختاروا الكفر على توحيد اللهِ تعالى، بدلاً من أن يشكروه على نعمة الأمن بالحرم وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيهم؟! - ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ يعني: وقد أنزلوا أتْباعهم دارَ الهلاك - حين أخرجوهم إلى "بدر" - فقُتِلوا وصارَ مَصيرهم إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾ التي ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ أي يَدخلونها ويُعانونَ من شدة حَرّها، ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي: وبئس المُستقَرّ جهنم.
الآية 30: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يعني: وقد جعل هؤلاء الكفار شركاءَ للهِ تعالى فعَبدوهم معه ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: أي ليُبْعدوا الناسَ عن دين الله، ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾: أي استمتِعوا في الحياة الدنيا فإنها سريعة الزوال، وإنّ مَصيركم بعدها إلى عذاب جهنم.
الآية 31: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول ﴿لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي يُؤدّوا الصلاة في أوقاتها، بشروطها وأركانها (في خشوعٍ واطمئنان)، ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ - مِن أنواع المال - ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أي في الخَفاء والعَلن ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة، الذي ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي ليس فيه بيعٌ ولا ربحٌ ولامالٌ تفتدونَ به مِن عذاب اللهِ تعالى، ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ يعني: ولا صداقة صديق تنفعكم في ذلك اليوم (إلا مِن بعد أن يَأذَن اللهُ - بالشفاعةِ - لمن يَشاءُ ويَرضى).
الآية 32، والآية 33، والآية 34: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ على هذا النظام البديع المتقَن، ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ فأحيا به الأرض بعد موتها، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ من جميع أنواع الفاكهة والخضروات والحُبوب، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ أي ذلَّل لكم السُفن ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أي بتدبيره سبحانه، وبأمْرِهِ للبحر أن يَحملها رغم ثِقَلها (وذلك لقضاء مَصالحكم، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ لسُقياكم وسُقيا مَواشيكم وزروعكم وغير ذلك من منافعكم، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أي مُستمِرّان في حركتهما لا يَتعبان، حتى تتحقق بهما مصالح العباد، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لتسكنوا فيه وتستريحوا، ﴿وَالنَّهَارَ﴾ لِتسعَوْا فيه في طلب رِزقكم ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ يعني: وأعطاكم سبحانه من كل ما طلبتموه، وكذلك أعطاكم مِمّا لم تطلبوه، فإنّ هناك أشياء لم يَطلبها الإنسان، وأعطاها اللهُ له.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ يعني: وإن تعُدُّوا نِعَم اللهِ عليكم لا تستطيعوا حَصْرَها; وذلك لكثرتها وتنوُّعها (لِذا فتذكَّروا نِعَمه سبحانه، واشكروه عليها، مع استشعاركم - أثناء الشكر - بعَجْزكم عن القيام بشُكره عليها كما