﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ يعني: وقد مَضَتْ عقوبات المُكذبين أمثالهم (كعادٍ وثمود)، ورأوا ديارهم، فكيف لا يَعتبرون بهم؟! ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾ يعني إنه سبحانه غفورٌ لِمَن تابَ إليه من الناس ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ أي على الرغم مِن ظُلمهم لأنفسهم بالمعاصي، إذ لو كانَ سبحانه يؤاخذ بالذنب لمجرد وقوعه: ما تَرَكَ على الأرض من دابة، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمَن أصَرَّ على الشِرك والمعاصي ولم يَتُب منها.
الآية 7: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعني: هَلاَّ أُنزَلَ اللهُ مُعجزة مَحسوسة على محمد (كَعَصا موسى وناقة صالح)، وليس ذلك بِيَدِك أيها الرسول، فـ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي مُبَلِّغٌ لهم، ومُخَوِّفهم مِن عذاب ربهم إن أشركوا به وعصوه، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ يعني: ولكل أُمَّةٍ رسولٌ يُرشدهم إلى التوحيد، وإلى فِعل الطاعات كما شَرَعها الله لهم.
الآية 8، والآية 9: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ في بطنها (هل هو ذكر أو أنثى؟ أبيض أو أسمر؟ كم سَيَعيش؟ وغير ذلك)، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني: ويَعلم سبحانه ما تُنقِصه الأرحام (فيَسقط ميتاً، أو يُولَد قبل تسعة أشهر)، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يعني: وكذلك يَعلم سبحانه ما يَزيد حَمْله على التسعة أشهر، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ﴾ مُقَدَّرٌ ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ مُحَدّد لا يَتجاوزه، وهو سبحانه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي يَعلمُ ما غابَ عن حَواسِّكم - أيها الناس - ويَعلم ما تشاهدونه، وهو ﴿الْكَبِيرُ﴾ في ذاته، العظيم في قدْره وصفاته، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ الذي يَعلو جميعَ خَلْقه بذاته وقَهْره، والذي تعالى وتنَزَّهَ عن الشَريك والشَبِيه والزوجة والولد.
الآية 10: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾: يعني يَتساوَى - في عِلمه سبحانه - مَن أخفى القولَ منكم (فتحدَّثَ به بصوتٍ منخفض) ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ يعني: وَمَن تَكَلَّمَ به بصوت مُرتفع، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ يعني: ويتساوَى عنده أيضاً مَن استَتَر (أي تخَفّى) بأعماله في ظُلمة الليل، ومَن جَهَرَ بها (أي أعلنها) في وَضَح النهار.
الآية 11: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي: للهِ تعالى ملائكةٌ يَتعاقبون ويَتوالون على الإنسان بالليل والنهار ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أي مِن أمامه ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي يَحفظونه بأمْر الله تعالى مِن شر الجن وغيرهم، (ويُلاحَظ أنّ اللهَ تعالى لم يقل:) يَحفظونه بأمْر الله) وإنما قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، لأنّ ذلك الحِفظ هو مِن قَدَر اللهِ تعالى، إذ إنه سبحانه يُقَدِّرُ البلاء ويُقَدِّر أيضاً ما يَمنع البلاء).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي لا يُغيِّرُ سبحانه نعمةً أنعَمَها على قومٍ إلا إذا غَيَّروا ما أمَرَهم به فعَصوه، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ أي بَلاءً أو عذاباً: ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾: أي فلا مَفرَّ منه ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: أي ليس لهم مِن دون اللهِ وَلِيٌّ يَتولى أمورهم، فيَجلب لهم المحبوب، أو يَدفع عنهم المكروه.
الآية 12: ﴿هُوَ﴾ سبحانه ﴿الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من الصواعق التي فيه (لتخافوا عذابه وتتقوه)، ﴿وَطَمَعًا﴾ في