إذا القوم قالوا من فتى؟ خلت أنني
عنيت، فلم أكسل ولم اتبلد (1)
وقالت الخنساء:
يعطي الجزيل ولا يلحي الخليل ولا
يغى السبيل إذا ما قبل من هاد (2)
في البيتين سؤال عند شدة الحاجة، ولكن في الثاني طرفا من اليأس. وربما ينتهي اليأس إلى الإنكار كما هو العادة في الاستفهام في جميع السنة المشهورة. ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء﴾ (3).
والاستفهام للإنكار شائع ولكنى أردت الاستشهاد على مجيء النكرة بعد مَن، وكشف معناها في هذا التركيب الخاص: فإن الآية محتملة لوجهين ولكن المآل واحد. الأول أنه إذا جاءت سكرة الموت وحشرجت النفس وقالت العواد إضطرابا، كما أن الغريق يتشبث بالحشيش، ألا راق فيداويه؟ والثاني: أنهم قالوا قد حم الأمر وانقطع العمر، فأي راق يشفيه؟ وهذا لشدة يأسهم. وحينئذ أيقن المحتضر أنهم أسلموه وودعوه وعلم أنه الفراق. والعرب قد نطقت بهذا المعنى، قالت الخنساء:
(1) شعراء النصرانية الجزء الأول ص 302 طبع في مطبعة الآباء اليسوعين في بيروت سنة 1890 م
(2) أنيس الجلساء في ملخص شرح ديوان الخنساء ص 27 في الأصل يلجي الجليل ولكن الصواب عند الفراهي: "الخليل"
(3) القصص 28: 71