الآيات التي يطلبها المعاندون فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (1) إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (2) بل إن سياق الآية من قبل كان من مطلع السورة وهو يذكر السنن الجارية في الخلق، فالذين يطلبون الآيات إنما هم أهل إعراضٍ وكِبْر، ولو أرادوا الحق لرأوا في الآيات الكونية الجارية على وفق سُنَن الله كافية لهم وشافية لأسئلتهم.
وقد ذكر الله أن هذا الطلب هو طلب الضالين قديمًا وحديثًا لتشابه قلوب أهل الضلالة في كل زمن فقال - سبحانه وتعالى - عنهم في سورة البقرة في هذا المعنى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (3)
أمّا الطريقة الثانية التي يُبيّن الله فيها لنَبيِّه إعراض الله عن طلبهم هذا، وهو بيان عدم صلاحية الآيات الكونية المعجزة في تغيير عقائد الناس؛ لأن الآيات في حقيقتها لا تحقق علمًا إلا للمهديين بزيادة إيمانهم كما وقع مع إبراهيم - عليه السلام - كما في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (4)
وكما وقع مع الحواريين في طلبهم من عيسى - عليه السلام - أن ينزل الله عليه مائدة من السماء، أما المعرضون فلم تنفعهم الآيات في ما مضى مع أسلافهم، ولن تنفع الخَلَف كذلك، وهذا بَيِّن في مواطن من كتاب الله منها: قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ? فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (5)، وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ? بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ? مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (6) وقال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (7)
فبهذان الأمران يكتفي أهل الحق في الرد على هؤلاء الذين يزعمون أن دلائل الحق اليوم
(1) الرعد: 8
(2) الرعد: 13
(3) البقرة: 118
(4) البقرة: 260
(5) الأنعام: 4 - 5
(6) الأنبياء: 4 - 6
(7) الإسراء: 59