تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله جل وعلا جعل التربص لهن والأمر إليهن، ولهذا قال: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ [البقرة:228]، إشارة إلى معنى وهو أن الأمر إلى الزوجة تصدق في قولها، في إخبارها عن ابتداء حيضها وانتهائه؛ لأن الأمر موكول إليها ولا يطلع على هذا الأمر إلا بعلمها، فتصدق في ذلك ما جرت على العادة. وأما إذا جرت على غير العادة المعروفة من النساء، ومعلوم أن الغالب في أحوال النساء أنهن يحضن في الشهر مرة، هذا هو الغالب، ولكن قد تحيض المرأة في الشهر مرتين، والنادر جداً تحيض في الشهر ثلاثة، فإذا خرج ذلك عن النادر فينظر إلى أمانتها ودينها، فإذا كانت من أهل الأمانة والديانة فيؤخذ بقولها. وإذا جاءت إلى النادر وضعفت من جانب الدين ووقعت عليها الريبة، فإنه يؤخذ بشيء من القرائن في هذا، ومن هذه القرائن: أن ينظر إلى حال نسائها، وحال نسائها في ذلك: أن تسأل أمها وأختها عن عدتهن، فالغالب أن النساء يتشابهن من جهة قرب المدد: هل في نساء البيت أو في نساء العائلة من تحيض في الشهر مرتين أو ثلاثاً؟ فإذا كان كذلك أخذ بقولها. وقد جاء ذلك عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى أنه قيل في امرأة حاضت في الشهر ثلاثاً، فأمر بأن تُسأل النساء ممن حولها، فسئلن فقيل: إنهن يحضن كذلك، فجعل كلامها صحيحاً، وروي في ذلك عن القاضي شريح عليه رحمة الله. وعلى هذا نقول: إن الأصل في ذلك أن المرأة موكولة إلى نفسها من جهة إخبارها، ولهذا الله جل وعلا جعل التربص بنفسها إليها، فلا يشهد عليها أحد في ذلك لمشقة ذلك وصعوبته، ولهذا الله سبحانه وتعالى لما كان الأمر إليها وكان الأمر غليظاً من جهة حق الزوج في إرجاعها وكذلك الأمد، فإن الأمد حق للزوجة وحق للزوج، حق للزوجة من جهة رجوعها إلى زوجها، من جهة حقهما في الإنظار أن ينتظرا أمداً وذلك أن يتراجعا. حق الزوج كذلك من جهة حملها أن تستبرئ المرأة منه، فلا يكون في بطنها حمل ربما ينسب بعد ذلك لغير أبيه.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٧٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير آيات الأحكامص ٧٦٠