ولا قائل من العلماء أن الإنسان إذا حلف ألا يدنو من زوجته شهراً أنه يجب عليه أن يجعلها أربعاً، وإنما المراد بذلك أن هذه الآية نزلت على حال كانت فيه العرب على جاهلية يضرون بالمرأة السنة والسنتين، فجعل الله عز وجل غاية ذلك إلى أربعة أشهر. وتقدم معنا أن مسألة الإيلاء فيما دون الأربعة أشهر جائز بشرطيه على ما تقدم. والذي يولي من امرأته ويقسم أن لا يقربها حولاً أو أكثر من أربعة أشهر، سواء كان خمسة أشهر أو أكثر من ذلك، سواء سمى عدداً أو لم يسم؛ فإنه يجب عليه أن يتربص أربعة أشهر. ولكن نقول: إن التربص بأربعة أشهر مشروط بعدم الإضرار، وأما إذا نوى الإنسان إضراراً بالمرأة ولو كان دون أربعة أشهر فهذا ليس بجائز على ما تقدم معنا في مسألة الإيلاء. فلوا آلى الرجل من امرأته شهراً وأراد بها إضراراً، فهو آثم في ذلك ولو كان دون تلك المدة. إذاً: الشارع إنما حدد الأمر في ذلك إذا كان الإنسان لا يقصد الإضرار، وإذا قصد الإضرار فإنه يتربص أربعة أشهر مع إثمه على قصده، ولكن هذا لا يبطل الإيلاء، باعتبار أن أصل الإيلاء في هذه الآية إنما جاء لمن قصد الإضرار. ولهذا اختلف العلماء عليهم رحمة الله في تحقق الإيلاء فيمن حلف ألا يقرب زوجته ولا يقصد في ذلك إضراراً. ذهب جمهور العلماء إلى أن الإيلاءً لا يكون إيلاء من جهة الأصل ويلزم على الإنسان الوفاء به إلا وقد قصد الإضرار، ويشترطون في ذلك الغضب والإضرار، قالوا: لأن الإنسان إذا حلف ألا يقرب زوجته ولا يقصد من ذلك الإضرار والغضب فهو يولي على زوجته لمصلحتها لحضها، إذا كان لا يريد بذلك الإضرار ولم يكن ناشئه غضباً فإنه يريد من ذلك مصلحة الزوجة، وذلك لصور، منها: أن تكون المرأة مريضة وأراد عدم قربها، ومن ذلك: أن تكون المرأة مرضعاً فأراد ألا يقربها في حال رضاعها، فأراد أن يحقق رغبتها بمنع نفسه من دنوها، والآية نزلت بدفع الضرر عن المرأة أن يقصدها الرجل بالإضرار.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٧٤٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ٧٤٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي