ولهذا نقول: إنه ينهى في هجر الناشز المفارقة من الدور؛ لأن هذا يسقط حقها بأمنها, فلا تبقى في مأمن في دارها وولدها أو نحو ذلك، فيجب عليه أن يكون حاضراً في داره عند أهله في ليلهم, ولكن الهجر يكون في الفراش. كذلك مقدار الهجر ومدته هو في مثل الجماع، وقد تقدم معنا إشارة إلى هذا في الإيلاء, وأما بالنسبة لأدناه فإنه لا حد له لاختلاف أحوال النساء. وذلك أن من النساء من إذا هجرت يوماً اتعظت وعادت ومنها ما تحتاج إلى أسبوع وهكذا لاختلاف أحوالهن, واختلاف مخالفتهن لأمر الله عز وجل؛ ولهذا قيد الله عز وجل الهجر بالمضاجع، فقال: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، يعني: لا يكون الهجر في بيوت مستقلة، أو في مواضع مستقلة، أو في بلد مستقل أو نحو ذلك. ثم قال الله عز وجل: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]. اتفق المفسرون من السلف على أن الضرب هو الضرب غير المبرح، يعني: غير المؤذي الموجع، وإنما المؤدب الرادع، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس وغيره, أنه قال: غير مبرح, رواه عنه علي بن أبي طلحة، و سعيد بن جبير، وكذلك جاء عن عكرمة، وقتادة ومجاهد بن جبر، وعن غيرهم من المفسرين. ومن الأمور المهمة: أن يعلم أن الضرب إنما جعله الشارع ثالث المراحل، وذلك بعد الوعظ والهجر يكون في ذلك الضرب. فهل للزوج أن يهجر من غير أن يعظ؟ نقول: لا. ليس له أن يهجر من غير أن يعظ، بل لا بد من تقديم الوعظ وتذكيرها، فربما تحتاج إلى وعظ ويذكرها بالله فتعود إلى الحق. وهل له أن يضربها من غير هجر؟ أن يسبق ذلك هجر؟ نقول: لا. فلا بد أن يكون قبل ذلك هجر، إلا إذا كان في ذلك تأديب لجانب من حق الله سبحانه وتعالى، وذلك فيمن أصابت حداً من حدود الله, أو انتهكت محرماً من المحرمات ونحو ذلك فتحتاج إلى تأديب، وهذا يقدر بما يقدره الشارع في هذا.
تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٥٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير آيات الأحكامص ١٥٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي