ذلك عائدة إليهم وحدهم ﴿وأنزل الله عليك الكتاب﴾ القرآن ﴿والحكمة﴾ وهي العلم بفقه الكتاب ومقاصده وأسراره ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ من شئون الحكم وسائر العلوم التي لم تأخذها عن أساتذة ولا جامعات ﴿وكان فضل الله عليكم عظيمًا﴾ إذ والى عليك نعمه وأرسلك للناس كافة بشيرًا ونذيرًا.
بعد أن أمر الله نبيه بأن لا يكون للخائنين خصيمًا ولا يجادل عنهم لأنه تعالى أعلم بما يبيتون من القول الذي لا يرضي الله وفصل حكمه فيمن يقدم على ذلك أخذ سبحانه وتعالى يوضح الأمور التي يحسن التناجي بها فقال ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ أي من الأعمال التي يحسن فيها التكتم والتناجي في السر ﴿إلا﴾ نجوى واحد من ثلاثة الأول ﴿من أمر بصدقة﴾ فالصدقة من الأمور التي ينبغي أن يكون الحض عليها في السر لأنه يكون أوقع في النفس وأضمن للقبول وأحفظ لكرامة الفقير الذي قد يتأذى من إعلان حاجته إلى الصدقة ويشعر بشيء من الإهانة فيه. الثاني: ﴿أو معروف﴾ أي أو أمر بمعروف والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه كما أن المنكر ما ينكر بهما وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السر أوقع في النفس من الجهر بذلك لأنه قد يؤذي المأمور لما يرى فيه من معنى الاستعلاء عليه بالعلم ونسبة الجهل والقصور إليه فتأخذه العزة بالإثم ويأبى الإصغاء للأمر ولذا كان من الخير التناجي به الثالث: ﴿أو إصلاح بين الناس﴾ أي الدعوة أو العمل لإصلاح ذات البين فهذا من الأمور التي يعد من الخير فيها مناجاة جميع المتخالفين على انفراد حتى تتصافى القلوب وتزول الأحقاد من النفوس وبدون ذلك يخشى من تطاول أحد المتخاصمين في القول فيؤدي الأمر إلى زيادة اتساع رقعة الخلاف وتفاقم الخطب ولذا