وهذا ظاهر في أنهم كانوا يقولون هذا، وهم يرون المؤمنين، وقوله جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ هذه الآية مبين معناها ما صنعه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قسم غنائم حنين، فجاءه رجل فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: اعدل. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ويلك من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله .
فقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ هؤلاء مثل من صنع يوم حنين، وهذا طعن في النبي -صلى الله عليه وسلم- في وجهه -عليه السلام- وفي حال حضرته، فدل ذلك على أن الهمزة هو الذي يغتاب الناس، وأن اللمزة هو الذي يعيبهم في وجوههم.
قال الله -جل وعلا- في صفته أيضا: الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يعني: أنه يجمع المال ويحصيه ويضن به ويبخل، فهو يجمع ويمنع؛ ولهذا هو حريص علي جمعه؛ حريص على إحصائه وعده: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ أي: يظن أن هذا المال يخلده في الدنيا.
ولكن هذا المال لا يخلد أحدا؛ لأن الله -جل وعلا- قضى بالهلاك على كل نفس على هذه البسيطة، كما قال الله -جل وعلا-: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ فهذا المال لا يخلد أحدا.
وهذه الآية فيها إشارة إلى ذم الذي يجمع هذا المال من أجل أن ينفقه على أمور دنيوية؛ ليخلد به في الناس ذكراه؛ لأن بعض الناس ينفق نفقات لا لوجه الله، وإنما رياء وسمعة، فهذه الآثار التي تبقى بعده، وهو يقصد بها الرياء والسمعة وتخليد الذكرى، لا يقصد بها وجه الله، يكون داخلا في هذه الآية.
ثم قال الله -جل وعلا-: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ يعني: أن الله -جل وعلا- يزجره عن هذا الظن؛ لأنه لا أحد يخلد بماله، وأخبر جل وعلا، وأقسم أن هذا الذي يصنع ذلك سيطرح في النار، وهي الحطمة.