وأما بنو آدم فخلق الله -جل وعلا- لهم عقولًا؛ ليدركوا بها هذا الشرع، وما بعثت به الأنبياء والمرسلون، فوقع الحساب عليهم جزاء على أعمالهم وعدلًا منه جل وعلا؛ ولهذا كان بنو آدم هم الذين كلفهم الله -جل وعلا- بأن يحملوا تكاليف الشرع: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا فلما حملها فإنه يحاسب عليها يوم القيامة.
وأما تلك البهائم فليس لها عقول؛ فلهذا لم تحمل هذا الشرع؛ ولهذا وصف الله -جل وعلا- هؤلاء الكفار بأنهم شر من الدواب: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ وقال جل وعلا: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فلهذا يكونون هم شر الخليقة.
ثم قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قد صدق لنا أن الله -جل وعلا- دائمًا في كتابه الكريم يقرن ببن الجزاءين ويبين حال الفريقين، وهنا لما ذكر الله -جل وعلا- حال الكفار والمشركين، وما أعده لهم ذكر جل وعلا بعد ذلك حال عباده المؤمنين في الآخرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .
والبرية عند أكثر العلماء معناها الخليقة، وبعض العلماء يقول: إن البرية تحتمل أن تكون من البراء، وهو التراب، ويكون على ذلك أولئك هم خير من خلق من تراب، والمخلوق من التراب إما مؤمن وإما كافر، لكن أكثر أهل العلم على أن قوله جل وعلا: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي: أولئك هم خير الخليقة.