فقد ذهب طائف من العلماء، وهو الذي شرحه وبيَّنه وفصَّله أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن قول الله -جل وعلا-: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ معناه: أنه لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين متروكين حتى تأتيهم البينة، يعني أن الله -جل وعلا- لن يترك أهل الكتاب الذين كفروا، ولن يترك المشركين هكذا، بل لا بد أن يرسل إليهم رسولًا يبين لهم آيات الله -جل وعلا- ويدعوهم إلى الإسلام.
وهذا يوافق قول الله -جل وعلا-: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ويماثله قول الله -جل وعلا-: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ يعني: لما كنتم قومًا مسرفين نعرض عنكم، ولا نرسل إليكم ذكرا، هذا لا يكون؛ لأن الله -جل وعلا- خلق الخلق لحكمة، وهي عبادته.
ولا تعرف الخلق الطريق إليها إلا بالأنبياء والمرسلين كما قال الله -جل وعلا-: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ فالله -جل وعلا- خلق الخلق لعبادته.
وإذا خلقهم لعبادته فلن يتركهم جل وعلا هملًا لا يعرفون شيئًا، بل لا بد أن يرسل إليهم الرسل، ويقيم عليهم الحجة، فالله -جل وعلا- ذكر في هذه الآية أنه لن يترك المشركين، ولا الكافرين من أهل الكتاب حتى تأتيهم البينة.