ومن انشراح صدره -صلى الله عليه وسلم- أن شرحه ربه -جل وعلا- للدعوة وتحمل حال الخلق؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- في دعوته تحمل مشاق عظيمة، ولولا أن الله -جل وعلا- شرح صدره للإسلام، وشرح صدره لمثل هذه الأشياء لم يقم بأعباء هذه الرسالة.
ولهذا نبي الله موسى لما أمره ربه -جل وعلا- أن يبلغ إلى فرعون قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ؛ لأن شرح الصدر في مثل هذه الأمور يؤتي ثمارا عظيمة كثيرة، فلهذا كان من شرح الله لصدر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن شرحه لمثل هذه الأشياء، فكان -صلى الله عليه وسلم- يُعتدى عليه، ويؤذى، وتُكاد له المكائد، وتُحبل له الحبائل -صلى الله عليه وسلم-، فيقابل ذلك بالإحسان كما أمره ربه -جل وعلا-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ .
ثم قال -جل وعلا-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: حططنا عنك الذنب الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ يعني: أثقل ظهرك، وهذه الآية استدل بها بعض العلماء -أو أكثر العلماء- على أن الأنبياء قد يقع منهم شيء من المعاصي، ولكن المعاصي التي تقع من الأنبياء: أولا: ليست متعلقة بالبلاغ، وثانيا: ليست في الأمور التي يقتدي الناس بهم فيها، ولو حصل شيء من ذلك لنبهوا عليه، ثم إنها ليست من كبائر الذنوب، كما أنها ليست من أفعال الخسة كالزنا أو السرقة أو غيرها مما هو يعتبره الناس من أفعال الخسة.
فهذا قد يقع من الأنبياء، ولكنهم يتوبون إلى الله -جل وعلا-، ويبادرون بالتوبة، وتكون حالهم بعد الذنب أحسن من حالهم قبل الذنب، كما قال الله -جل وعلا-: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى فأكثر العلماء -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- أن الأنبياء قد يقع منهم بعض ذنوب، لكن هذه الذنوب ليست في البلاغ، وليست من كبائر الذنوب، وليست من أفعال الخسة.