لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي: فيه تقديم وتأخير للإبراز .. والمعنى: الأمر في حقيقته هو الله الواحد .. وأنا أعبد الله وحده ولا أشرك به أحدا .. والعبادة توجب الطاعة .. والطاعة تعني الصلاة والإنفاق صنوان لا يفترقان .. العطاء الروحي والمادي وفسرسبب بذله لكل ماله في سبيل الله على أساس محبته لله دون شريك .. فأعطى كل ثروته للفوز بما وعد الله من خير دائم في الجنة التي لاشك فيها إطلاقا ..
((وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41).)) ..
والحُسْبانُ، بالضم: العَذاب والبَلاءُ. وفي حديث يحيى بن يَعْمَرَ: كان، إِذا هَبَّتِ الرِّيحُ، يقول: لا تَجْعَلْها حُسْباناً أَي عَذاباً. وقوله تعالى: أَو يُرْسِلَ عليها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ؛ يعني ناراً. والحُسْبانُ أَيضاً: الجرادُ والعَجاجُ. قال أَبو زياد: الحُسْبانُ شَرّ ٌوبَلاءٌ، والحُسبانُ: سِهامٌ صِغارٌ يُرْمَى بها عن القِسِيِّ الفارِسِيَّةِ، واحدتها حُسْبانةٌ .. صَعِيدًا زَلَقًا: الزَّلَقُ: الزَّللُ، زَلِقَ زَلَقاً وأَزْلَقَه هو. والزَّلَقُ: المكان المَزْلَقة. وأَرض مَزْلقة ومُزْلقة وزَلَقٌ وزَلِقٌ ومَزْلَق: لا يثبت عليها قدم، وكذلك الزَّلاَّقة؛ ومنه قوله تعالى: فتُصْبِحَ صَعيداً زَلَقاً؛ أَي أَرْضاً مَلْساء لا نبات فيها أَو ملساء ليس بها شيء؛ قال الأَخفش: لا يثبت عليها القدمان. والزَّلَقُ: صَلا الدابة .. مَاؤُهَا غَوْرًا: وغار الماءُ غَوْراً وغُؤوراً وغَوَّرَ: ذهب في الأَرض وسَفَلَ فيها. وقال اللحياني: غارَ الماءُ وغَوَّرَ ذهب في العيون. وماءٌ غَوْرٌ: غائر، وصف بالمصدر ..
وبالتالي نستنتج أن المؤمن الحقيقي لا يعبد الثروة والمال والإمكانات المتوفرة لديه .. والتي هي في حقيقتها نعمة من الله وليس فيها أي فضل سوى فضل البذل والعطاء إن آمن وصدق وتزكى .. وبذل المال حبا في الله وتعلقا بمرضاته .. العبادة لله .. وليست للمال ولا للمادة بأي شكل وبأية صورة .. ومتى كانت العبادة لله وحده لا شريك له .. كانت قرينة البذل و صنو العطاء بلا حد أو عد .. أملا في ما عند الله الذي لا ينفد .. من هنا كانت الدعوة للتأمل والإعتبار كيف يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا من نطفة ولا شيء معه .. ويغادرها ولا شيء معه .. يأخذ العبرة والدرس .. باعتباره عابر سبيل .. مبتلى وممتحن في ماله وفي عقله وصحته صبرا وبذلا وإنفاقا .. وأنى يتوفر هذا للكافر الذي يجحد نعم الله ويتناساها .. ويحسب أنها مخلد في مظاهرها الخلابة وبرقها الخلب .. ولا يعطي حق الله فيها .. فيحرمه الله منها .. ليكون عبرة للناس ولمن يعتبر ..
((وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44).)) .. وقوله عز وجل: وكأَيِّنْ من قرية أَهلكناها وهي ظالمة فهي خاويةٌ على عُروشِها؛ قال الزجاج: المعنى أَنها خَلَتْ وخرّت على أَركانها، وقيل: صارت على سقُوفها، كما قال عز من قائل: فجعلنا عالِيَها سافِلَها، أَراد أَن حيطانها قائمة وقد تهدَمت سُقوفُها فصارت في قَرارِها وانقَعَرَت الحيطانُ من قواعدِها فتساقطت على السُّقوف المتهدّمة قَبْلها، ومعنى الخاوِية والمنقعِرة واحد يدلُّك على ذلك قول اللَّه عز وجل في قصَّة قوم معاد: كأَنهم أَعجازٌ نَخلٍ خاوِيةٍ .. وعُروشُها: سُقوفها، يعني قد سقَط بعضُه على بعض، وأَصل ذلك أَن تسقُط السقوفُ ثم تسقُط الحيِطان
عليها. خَوَتْ: صارت خاوِيةً من الأَساس. والعَرْش أَيضاً: الخشَبة، والجمع أَعراشٌ وعُروشٌ. وعرَش العَرْشَ يعرِشه ويعرُشه عَرْشاً: عَمِلَه. وعَرْشُ الرجل: قِوام أَمره، منه. والعَرْش: المُلْك. وثُلَّ عَرْشُه:
هُدِم ما هو عليه من قِوام أَمره، وقيل: وَهَى أَمريه وذهَب عِزُّه .. هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ: الولاية هنا بمعنى الموالاة .. والله هو الولي أي المحب والناصر للمؤمن في الدنيا والآخرة ..
جاء في مجمع الزوائد:
عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن من موجبات ولاية الله ثلاثاً: إذا رأى حقاً من حقوق الله لم يؤخره إلى أيام لا يدركها، وأن يعمل العمل الصالح في العلانية على قوام من عمله في السريرة، وهو يجمع مع ما يعجل صلاح ما يأمل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فهكذا ولي الله وعقد وثلاثين)). رواه الطبراني في الأوسط ..