البَخْتَ. وقال الفراء: الطائرُ معناه عندهم العمَلُ، وطائرُ الإِنسانِ عَمَلُه الذي قُلِّدَه، وقيل رِزْقُه، والطائرُ الحَظُّ من الخير والشر. وفي حديث أُمّ العَلاء الأَنصارية: اقْتَسَمْنا المهاجرين فطارَ لنا عثمانُ بن مَظْعُون
أَي حَصَل نَصِيبنا منهم عثمانُ؛ ومنه حديث رُوَيْفِعٍ: إِنْ كان أَحَدُنا في زمان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لَيَطِير له النَّصْلُ وللآخَر القِدْح؛ معناه أَن الرجُلين كانا يَقْتَسِمانِ السَّهْمَ فيقع لأَحدهما نَصْلُه وللآخر قِدْحُه. وطائرُ الإِنسانِ: ما حصَلَ له في علْمِ الله مما قُدّرَ له. ومنه الحديث: بالمَيْمونِ طائِرُه؛ أَي بالمُبارَكِ حَظُّه؛ ويجوز أَن يكون أَصله من الطَّيْرِ السانحِ والبارِحِ. وقوله عز وجل: وكلَّ إِنْسانٍ أَلْزَمْناه طائرَه في عُنُقِه؛ قيل حَظُّه، وقيل عَمَلُه، وقال المفسرون: ما عَمِل من خير أَو شرّ أَلْزَمْناه عُنُقَه إِنْ خيراً
فخيراً وإِن شرّاً فشرّاً، والمعنى فيما يَرَى أَهلُ النّظر: أَن لكل امرئ الخيرَ والشرَّ قد قَضاه الله فهو لازمٌ عُنُقَه، وإِنما قيل للحظِّ من الخير والشرّ طائرٌ لقول العرب: جَرَى له الطائرُ بكذا من الشر، على طريق الفَأْلِ والطِّيَرَةِ على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سبباً، فخاطَبَهُم اللهُ بما يستعملون وأَعْلَمَهم أَن ذلك الأَمرَ الذي يُسَمّونه بالطائر يَلْزَمُه؛ وقرئ طائرَه وطَيْرَه، والمعنى فيهما قيل: عملُه خيرُه وشرُّه، وقيل: شَقاؤه وسَعادتُه؛ قال أَبو منصور: والأَصل في هذا كله أَن الله تبارك وتعالى لما خَلَقَ آدمَ عَلِم قبْل خَلْقِه ذُرِّيَّتَه أَنه يأْمرهم بتوحيده وطاعتِه وينهاهم عن معْصيته، وعَلِم المُطِيعَ منهم والعاصيَ الظالمَ لِنفْسه، فكتَبَ ما علِمَه منهم أَجمعين وقضى بسعادة من عَلِمَه مُطِيعاً، وشَقاوةِ من عَلِمَه عاصياً، فصار لكلِّ مَنْ عَلِمه ما هو صائرٌ إِليه عند حِسَابِه، فذلك قولُه عز وجل: وكلّ َإِنسان أَلْزَمْناه طائرَه؛ أَي ما طار له بَدْأً في عِلْم الله من الخير والشر وعِلْمُ الشَّهادةِ عند كَوْنِهم يُوافقُ علْمَ الغيب، والحجةُ تَلْزَمهُم بالذي يعملون، وهو غيرُ مُخالف لما عَلِمَه اللهُ منهم قبل كَوْنِهم. والعرب تقول: أَطَرْتُ المال وطَيَّرْتُه بينَ القومِ فطارَ لكلٍّ منهم سَهْمُه أَي صارَ له وخرج لَدَيْه سَهْمُه ..
((اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14).)) .. كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا: وفي أَسماءِ اللّه تعالى الحَسِيبُ: هو الكافي، فَعِيلٌ بمعنى مُفْعِل، مِن أَحْسَبَنِي الشيءُ إِذا كَفاني .. وقال أَبو إِسحق في قوله، عز وجل: وكَفَى باللّهِ حَسِيباً: يكون بمعنى مُحاسِباً، ويكون بمعنى كافِياً؛ وقال في قوله تعالى: إِن اللّه كان على كل شيءٍ حَسِيباً؛ أَي يُعْطِي كلَّ شيءٍ من العِلم والحِفْظ والجَزاءِ مِقْدارَ ما يُحْسِبُه أَي يَكْفِيهِ. تقول: حَسْبُكَ هذا أَي اكْتَفِ بهذا. وفي حديث عبداللّه بن عَمْرو، رضي اللّه عنهما، قال له النبي، صلى اللّه عليه وسلم: يُحْسِبُك أَن تَصُومَ من كل شهر ثلاثة أَيام أَي يَكْفِيكَ ..
((مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15).)) .. وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى: الجوهري: الوَزَرُ الإِثم والثِّقْلُ والكارَةُ والسلاحُ. قال ابن الأَثير: وأَكثر ما يطلق في الحديث على الذنب والإِثم. يقال: وَزَرَ يَزِرُ إِذا حمل ما يُثْقِلُ ظهرَه من الأَشياء المُثْقِلَةِ ومن الذنوب. ووَزَرَ وِزْراً: حمله. وفي التنزيل العزيز: ولا تَزِرُ وازرَةٌ وِزْرَ أُخرى؛ أَي لا يؤخذ أَحد بذنب غيره ولا تحملُ نفسٌ آثمةٌ وِزْرَ نَفْسٍ أُخرى، ولكن كلٌّ مَجْزِيٌّ بعلمه. والآثام تسمى أَوْزاراً لأَنها أَحمال تُثْقِلُه، واحدها وِزْرٌ، وقال الأَخفش: لا تأْثَمُ آثِمَةٌ بإِثم أُخرى. وفي الحديث: قد وضعت الحرب أَوزارها أَي انقى أَمرها وخفت أَثقالها فلم يبق قتال. ووَزَرَ وَزْراً ووِزْراً وَوِزْرَةً: أَثم؛ عن الزجاج. وَوُزِرَ الرجلُ: رُمِيَ بِوِزْرٍ. وفي الحديث: ارْجِعْنَ مأْزُورات غير مأْجورات؛ أَصله موْزورات ولكنه أَتبع مأْجورات ..
((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16).)) .. أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا: الترَفُ: التَّنَعُّمُ، والتُّرْفةُ النَّعْمةُ، والتَّتْريفُ حُسْنُ الغِذاء. وصبيٌّ مُتْرَفٌ إذا كان مُنَعَّمَ البدنِ مُدَلَّلا ًوالمُتْرَفُ: الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ. وأَتْرَفَتْه النَّعْمةُ أَي أَطْغَتْه. وفي الحديث: أَوْهِ لفِراخِ محمدٍ من خليفة يُسْتَخْلَفُ عِتْريفٍ مُتْرَفٍ؛ المُتْرَفُ: المُتَنَعِّمُ المُتَوَسِّعُ في مَلاذِّ الدنيا وشَهواتِها. وفي الحديث: أَنَّ إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فُرَّ به من جَبَّارٍ