الاسم والإِنذار المصدرُ. وأَنذَره أَيضاً: خوّفه وحذَّره. وفي التنزيل العزيز: وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ؛ وكذلك حكى الزجاجي: أَنذَرْتهُ إِنذاراً ونذِيراً، والجيِّد أَن الإِنذار المصدر، والنذِير الاسم ..
الطلب واضح ومتسق الأبعاد أعلم الناس بأن يوم القيامة حق .. وبأن الجنة حق والنار حق .. وبأن العذاب سيحيط بمن أنكر وحدانية الله وحقيقة البعث والجزاء .. لا عنف .. لا مادي ولا معنوي .. ولا فكري .. ولا جسدي .. الدعوة لله بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة العملية الطيبة .. وتأملوا ما حولكم في الكون والحياة .. وفي أنفسكم .. ولماذا تذهبون بعيدا .. فأنتم أين تسكنون؟ .. والمساكن التي تقيمون بها .. ماذا كانت؟ .. هل جاءت هكذا وحدها من المريخ؟ .. ألم تكن من قبل مساكن لأناس غيركم؟ .. غرتهم الحياة الدنيا .. فجحدوا نعم الله وتناسوها .. وكفروا .. وظلموا .. حتى أخذتهم سكرة الموت بالحق .. فغدوا ترابا .. وانتقلت اليكم الأرض والمساكن .. فهل ستخلدون فيها؟؟ لو دامت لغيركم ما انتقلت إليكم .. خذوا من ذلك عبرة ودرسا قبل فوات الأوان بالموت الزؤام ..
((وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (45).)) .. والظُّلْم: المَيْلُ عن القَصد، والعرب تَقُول: الْزَمْ هذا الصَّوْبَ ولا تَظْلِمْ عنه أي لا تَجُرْ عنه. وقوله عزَّ وجل: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلم عَظِيم؛ يعني أن الله تعالى هو المُحْيي المُمِيتُ الرزّاقُ المُنْعِم وَحْده لا شريك
له، فإذا أُشْرِك به غيره فذلك أَعْظَمُ الظُّلْمِ، لأنه جَعل النعمةَ لغير ربِّها. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُهُ ظَلْماً وظُلْماً ومَظْلِمةً، فالظَّلْمُ مَصْدرٌ حقيقيٌّ، والظُّلمُ الاسمُ يقوم مَقام المصدر، وهو ظالمٌ وظَلوم .. وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ: والمَثَلُ: الحديثُ نفسُه. وقوله عز وجل: ولله المَثَلُ الأَعْلى؛ جاء في التفسير: أَنه قَوْلُ لا إِله إِلاَّ الله وتأْويلُه أَن الله أَمَر بالتوحيد ونَفى كلَّ إِلهٍ سِواهُ، وهي الأَمثال؛ قال ابن سيده: وقد مَثَّلَ به وامْتَثَلَهُ وتَمَثَّلَ به وتَمَثَّله ..
((وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46).)) .. الليث: المَكْرُ احتيال في خُفية، قال: وسمعنا أَن الكيد في الحروف حلال، والمكر في كل حلال حرام. قال الله تعالى: ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون. قال أَهل العلم بالتأْويل: المكر من الله تعالى جزاء سُمي باسم مكر المجازى كما قال تعالى: وجزاء سيئة سيئة منها، فالثانية ليست بسيئة في الحقيقة ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام .. والمعنى الذي ورد في الآية الكريمة أن مكر أهل الكفر والضلال هو مكر واه لا تزول منه الجبال .. حطا من قيمته .. واستخفافا به .. وردا على أهله ..
((فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47).)) .. حَسِبْتُ أَحْسِبُ، أَي ظَنَنْتُ .. العَزِيزُ: من صفات الله عز وجل وأَسمائه الحسنى؛ قال الزجاج: هو الممتنع فلا يغلبه شيء، وقال غيره: هو القوي الغالب كل شيء، وقيل: هو الذي ليس كمثله شيء. ومن أَسمائه عز وجل المُعِزُّ، وهو الذي يَهَبُ العِزَّ لمن يشاء من عباده. والعِزُّ: خلاف الذُّلِّ .. وانْتَقَمَ اللهُ منه أي عاقَبَه، والاسم منه النَّقْمةُ، والجمع نَقِمات ونَقِمٌ مثل كَلِمةٍ وكلِمات وكَلِمٍ، وإن شئتَ سكّنت القاف ونقلت حركتَها إلى النون فقلت نِقْمة، والجمع نِقَمٌ مثل نِعْمة ونِعَم؛ وقد نَقَمَ منه يَنْقِمُ ونَقِمَ نَقَماً. وانْتَقَمَ ونَقِمَ الشيءَ ونَقَمَه: أَنكره ..
((يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48).)) .. والتوحيد: الإِيمان بالله وحده لا شريك له. والله الواحِدُ الأَحَدُ: ذو الوحدانية والتوحُّدِ. ابن سيده: والله الأَوحدُ والمُتَوَحِّدُ وذُو الوحْدانية، ومن صفاته الواحد الأَحد .. وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأُ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظيرله ولا مثل ولا يجمع هذين الوصفين إِلا الله عز وجل؛ وقال ابن الأَثير: في أَسماء الله تعالى الواحد، قال: هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر؛ قال الأَزهري: وأَما اسم الله عز وجل أَحد فإِنه لا يوصف شيء بالأَحدية غيره؛ لا يقال: رجل أَحَد ولا درهم أَحَد كما يقال رجل وحَدٌ أَي فرد
لأَن أَحداً صفة من صفات الله عز وجل التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء؛ وليس كقولك الله واحد وهذا شيء واحد؛ ولا يقال شيء أَحد .. القَهْرُ: الغَلَبة والأَخذ من فوق. والقَهَّارُ: من صفات الله عز وجل. قال الأَزهري: والله القاهرُ القَهّار، قَهَرَ خَلْقَه بسلطانه وقدرته وصَرَّفهم على ما أَراد طوعاً وكرهاً، والقَهَّار للمبالغة. وقال ابن الأَثير: القاهر هو الغالب جميع الخلق. وقَهَرَه يَقْهَرُه قَهْراً .. ((وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49).)) .. والجُرْمُ: التَّعدِّي، والجُرْمُ: الذنب، والجمع أَجْرامٌ وجُرُومٌ، وهو الجَرِيَمةُ، وقد جَرَمَ يَجْرِمُ جَرْماً واجْتَرَمَ وأَجْرَم، فهو مُجْرِم وجَرِيمٌ. وفي الحديث: أَعظمُ المسلمين في المسلمين جُرْماً من