الحديث ذكر التَّوكُّل؛ يقال: توكَّل بالأَمر إِذا ضَمِن القِيامَ به، ووَكَلْت أَمري إِلى فلان أَي أَلجَأْتُه إِليه واعتمدت فيه عليه، ووَكَّل فلانٌ فلاناً إِذا استَكْفاه أَمرَه ثِقةً بكِفايتِه أَو عَجْزاً عن القِيام بأَمر نفسه. ووَكَل إِليه الأَمرَ: سلَّمه. ووَكَلَه إِلى رأْيه وَكْلاً ووُكُولاً: تركه ..
((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13).)) .. مِلَّتِنَا: الملة: هي الطريقة أو الشريعة .. قال: المملول من المِلَّة، أَراد كأَنه مثال مُمَثَّل مما يعبد في ملل المشركين .. لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ: الهَلْكُ: الهلاك. قال أَبو عبيد: يقال الهَلْك والهُلْكُ اوالمُلْكُ والمَلْكُ؛ هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً: مات .. وقال الخليل: إِنما قالوا هَلْكَى وزَمْنَى ومَرْضَى لأَنها أَشياء ضُرِبُوا بها وأُدْخِلوا فيها وهم لها كارهون .. ولا يستعمل غلا في ميتة سوء .. الظُّلْمُ: وَضْع الشيء في غير موضِعه .. وأصل الظُّلم الجَوْرُ ومُجاوَزَة الحدِّ .. والظُّلْم: المَيْلُ عن القَصد، والعرب تَقُول: الْزَمْ هذا الصَّوْبَ ولا تَظْلِمْ عنه أي لا تَجُرْ عنه. وقوله عزَّ وجل: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلم عَظِيم؛ يعني أن الله تعالى هو المُحْيي المُمِيتُ الرزّاقُ المُنْعِم وَحْده لا شريك له، فإذا أُشْرِك به غيره فذلك أَعْظَمُ الظُّلْمِ، لأنه جَعل النعمة َلغير ربِّها. يقال: ظَلَمَه يَظْلِمُهُ ظَلْماً وظُلْماً ومَظْلِمةً، فالظَّلْمُ مَصْدرٌ حقيقيٌّ، والظُّلمُ الاسمُ يقوم مَقام المصدر، وهو ظالمٌ وظَلوم ..
((وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14).)) .. والوَعِيدُ والتَّوَعُّدُ: التَّهَدُّدُ، وقد أَوْعدَه وتَوَعَّدَه. قال الجوهري: الوَعْدُ يستعمل في الخير والشرّ، قال ابن سيده: وفي الخير الوَعْدُ والعِدةُ، وفي الشر الإِيعادُ والوَعِيدُ، فإِذا قالوا أَوْعَدْتُه بالشر أَثبتوا الأَلف مع الباء .. قال الأَزهري: كلام العرب وعدْتُ الرجلَ خَيراً ووعدته شرّاً، وأَوْعَدْتُه خيراً وأَوعَدْتُه شرّاً، فإِذا لم يذكروا الشر قالوا: وعدته ولم يدخلوا أَلفاً، وإِذا لم يذكروا الشر قالوا: أَوعدته ولم يسقطوا الأَلف ..
((وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15).)) .. أي طلب الرسل النصر من الله بسبب ما جوبهوا به من صد وإعراض ومتاعب ومخاطر تستهدف حياتهم وتكذيب لما بعثوا من أجله مع قيام الحجة والمعجزة دون نتيجة .. ومتى طلب الرسول النصر فإن دعوته مستجابة وبالتالي يحيق الهلاك بكل عاص متمرد .. قال الأَزهري: جعل جَبَّاراً في صفة الله تعالى أَو في صفة العباد من الإِجْبار وهو القهر والإِكراه لا من جَبَرَ. ابن الأَثير: ويقال جَبَرَ الخلقَ وأَجْبَرَهُمْ، وأَجْبَرَ أَكْثَرُ، وقيل: الجَبَّار العالي فوق خلقه، وفَعَّال من أَبنية المبالغة .. وقال تعالى: وخاب كلُّ جَبَّارٍ عَنيدٍ. عَنَدَ الرجلُ يَعْنُد عَنْداً وعُنُوداً وعَنَداً: عتا وطَغَا وجاوزَ قَدْرَه. ورجل عَنِيدٌ: عانِدٌ، وهو من التجبُّرِ. وفي خطبة أَبي بكر، رضي الله عنه: وستَرَوْن بعدي مُلْكاً عَضُوضاً ومَلِكاً عَنوداً؛ العَنُودُ والعَنِيدُ بمعنىً وهما فَعِيلٌ وفَعُولٌ بمعنى فاعل أَو مُفاعَل. وفي حديث الدعاء: فَأَقْصِ الأَدْنَيْنَ على عُنُودِهِم عنك أَي مَيْلِهم وجَوْرِهِم. وعنَدَ عن الحق وعن الطريق يَعْنُدُ ويَعْنِدُ: مالَ. والمُعانَدَةُ والعِنادُ: أَن يَعْرِفَ الرجلُ الشيء فيأْباه ويميل عنه ..
((مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16).)) .. الجوهري: جهنم من أَسماء النار التي يعذّب الله بها عباده، نعوذ بالله منها؛ هذه عبارة الجوهري ولو قال: يعذب بها من استحق العذاب من عبيده كان أجود، قال: وهو مُلْحَق بالخماسي، بتشديد الحرف الثالث منه، ولا يُجْرَى للمعرفة والتأْنيث: ويقال: هو فارسي معرّب الأَزهري: في جهنم قولان: قال يونس بن حبيب وأَكثر النحويين: جهنم اسم النار التي يعذّب الله بها في الآخرة، وهي أَعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعُجْمة، وقال آخرون جهنم عربيّ سميت نار الآخرة بها لبُعْد قَعْرِها، وإِنما لم تُجْرَ لِثقَلِ التعريف وثِقَل التأْنيث، وقيل: هو تعريب كِهِنَّام بالعِبْرانية؛ قال ابن بري: من جعل جهنم عربيا احتج بقولهم بئر جِهِنَّام ويكون امتناع صرفها للتأْنيث والتعريف، ومن جعل جهنم اسما أَعجميّاً مَاءٍ صَدِيدٍ: وصَدِيدُ الجُرْحِ: ماؤُه الرقيقُ المختلط بالدم قبل أَن تَغْلُظ المِدَّة. وفي الحديث: يُسْقَى من صَدِيدِ أَهلِ النارِ؛ وهو الدم والقيح الذي يسيل من الجسد؛ ومنه حديث الصدِّيق في الكفن: إِنما هو للمُهْلِ والصَّدِيدِ؛ ابن سيده: الصديد القَيْح الذي كأَنه ماء وفيه شُكْلةٌ. وقد أَصَدَّ الجرحُ وصَدَّدَ أَي صار فيه المِدَّة. والصَّدِيدُ في القرآن: ما يَسِيلُ من جلود أَهل النار، وقيل: هو الحَمِيم إِذا أُغْلِيَ حتى خَثُرَ. وصديد الفِضَّةِ: ذؤابَتُها، على التشبيه، وبذلك سُمِّي المُهْلَةُ. وقال أَبو إِسحق في قوله تعالى: ويُسْقَى من ماءٍ صَدِيدٍ: يَتَجَرَّعُه؛ قال: الصديد ما يسيل الدمُ المختلط بالقيح في الجُرْح ..