((قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90).)) .. إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ: اتقى الله: خافه وحذره .. التقوى: مخافة الله والعمل بطاعته ..
((قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91).)) .. وآثَرَه: أَكرمه. ورجل أَثِير: مكين مُكْرَم، والجمع أُثَرَاءُ والأُنثى أَثِيرَة. وآثَرَه عليه: فضله. وفي التنزيل: لقد آثرك الله علينا. وأَثِرَ أَن يفعل كذا أَثَراً وأَثَر وآثَرَ، كله: فَضّل وقَدّم. وآثَرْتُ فلاناً على نفسي: من الإِيثار. الأَصمعي: آثَرْتُك إِيثاراً أَي فَضَّلْتُك ..
((قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92).)) .. لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ: وثَرَّبَ عليه: لامَه وعَيَّره بذَنْبه، وذكَّرَه به. وفي التنزيل العزيز قال: لا تَثْرِيبَ عليكم اليَوْمَ. قال الزجاج: معناه لا إِفسادَ عليكم. وقال ثعلب: معناه لا تُذْكَرُ ذنُوبُكم. قال الجوهريّ: وهو من الثَّرْبِ كالشَّغْفِ من الشِّغاف. قال بِشْر، وقيل هو لتُبَّعٍ: فَعَفَوْتُ عَنْهُم عَفْوَ غَيْرِ مُثَرِّبٍ، * وتَرَكْتُهُم لعِقابِ يَوْمٍ سَرْمَدِ وثَرَّبْتُ عليهم وعَرَّبْتُ عليهم، بمعنى، إِذا قَبَّحْتَ عليهم فعْلَهم. وَالمُثَرِّبُ: المُعَيِّرُ، وقيل: المُخَلِّطُ المُفْسِدُ. والتَّثْرِيبُ: الإِفْسادُ والتَخْلِيطُ ..
((اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِي (94).)) .. إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ: بين مقر يوسف ويعقوب مسيرة ثماني ليال .. وأنعم الله على نبيه بأن ساق إليه رائحة إبنه تكريما للإبن وأبيه .. ((لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِي)): الفَنَدُ: الخَرَفُ وإِنكار العقل من الهَرَم أَو المَرضِ، وقد يستعمل في غير الكِبَر وأَصله في الكبر، وقد أَفند؛ قال: قد عَرَّضَتْ أَرْوَى بِقَوْلٍ إِفْناد إِنما أَراد بقَوْلٍ ذي إِفناد وقَوْلٍ فيه إِفناد، وشيخ مُفْنِدٌ ولا يقال للأُنثى عجوز مُفْنِدَة لأَنها لم تكن ذات رأْي في شبابها فَتُفَنَّدَ في كِبَرها. والفَنَدُ: الخطأُ في الرأْي والقول. وأَفْنَدَه: خطَّأَ رَأْيَه. وفي التنزيل العزيز حكاية عن يعقوب، عليه السلام: لولا أَن تُفَنِّدُونِ؛ قال الفراء: يقول لولا أَن تُكَذِّبوني وتُعَجِّزُوني وتُضَعِّفُوني. ابن الأَعرابي: فَنَّدَ رأْيه إِذا ضَعَّفَه. والتَّفْنيدُ: اللَّوْمُ وتضعيفُ الرأْي. الفراء: المُفَنَّدُ الضعيفُ الرأْي وإِن كان قويّ َالجسم. والمُفَنَّدُ: الضعيفُ الجسم وإِن كان رأْيه سديداً. قال: والمفند الضعيف الرأْي والجسم معاً. وفَنَّدَه: عَجَّزَه وأَضْعَفَه ..
((قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96).)) .. قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ: قائل هذا الكلام هم بنو بنيه .. ومن بقي عنده .. حيث لم يعلموا بالحقيقة .. والضلال هنا هو بمعنى العشق الذي يضيع توازن الفكر والجسد ..
((قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98).)) .. اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا: هذا كلام بنيه الذين أساءوا إليه وإلى يوسف .. الغَفُورُ الغَفّارُ، جلّ ثناؤه، وهما من أَبنية المبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة وغَفْراً وغُفْراناً، وإنك أَنت الغَفُور الغَفّار يا أَهل المَغْفِرة. وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر. غَفَرَ الله ذنوبه أَي سترها ..
((فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100).)) .. هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي: قال العلماء: كان بين الرؤيا والتحقيق للرؤيا ثلاثا وعشرين عاما .. صبر يعقوب حبا في الله وطاعة له .. ((مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)): النَّزْغُ: أَن تَنْزِغَ بين قوم فتَحْمِلَ بعضهم على بعض بفسادٍ بينهم. ونَزَغَ بينهم يَنْزَغُ ويَنْزِغُ نَزْغاً: أَغْرَى وأَفْسَدَ وحمل بعضَهم على بعض. والنزْغُ: الكلام الذي يُغْرِي بين الناس. ونَزَغَه: حرَّكه أَدنى حركة. ونزَغ الشيطانُ بينهم يَنزَغُ ويَنزِغُ نَزْغاً أَي أَفسد وأَغرى. وقوله تعالى: وإمّا يَنْزَغَنَّكَ من الشيطان نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بالله؛ نَزْغُ الشيطانِ: وسَاوِسُه ونَخْسُه في القلب بما يُسَوِّلُ للإِنسان مِن المَعاصي، يعني يُلْقِي في قلبه ما يُفْسِدُه على أَصحابه ..