((يَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (51).)) .. عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي: وفَطَرَ الله الخلق يَفْطُرُهم: خلقهم وبدأَهم. والفِطْرةُ: الابتداء والاختراع. وفي التنزيل العزيز: الحمد لله فاطِرِ السمواتِ والأَرضِ؛ قال ابن عباس، رضي الله عنهما: ما كنت أَدري ما فاطِرُ السموات والأَرض حتى أَتاني أَعرابيّان يختصمان في بئر فقال أَحدهما: أَنا فَطَرْتُها أَي أَنا ابتدأْت حَفْرها. وذكر أَبو العباس أَنه سمع ابن الأَعرابي يقول: أَنا أَول من فَطَرَ هذا أَي ابتدأَه. والفِطْرةُ، بالكسر: الخِلْقة ..
((وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52).)) .. يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا: ودَرَّت السماء بالمطر دَرّاً ودُرُوراً إِذا كثر مطرها؛ وسماء مِدْرَارٌ وسحابة مِدْرَارٌ. والعرب تقول للسماء إِذا أَخالت: دُرِّي دُبَس، بضم الدال؛ قاله ابن الأَعرابي، وهو من دَرَّ يَدُرُّ. والدِّرَّةُ في الأَمطار: أَن يتبع بعضها بعضاً، وجمعها دِرَرٌ. وللسحاب دِرَّةٌ أَي صَبٌّ، والجمع دِرَرٌ؛ قال النَّمِرُ بن تَوْلَبٍ: سَلامُ الإِلهِ ورَيْحانُه، ورَحْمَتُهُ وسَمَاءٌ دِرَرْ غَمامٌ يُنَزِّلُ رِزْقَ العِبَادِ، فَأَحْيَا البِلاَد وطَابَ الشَّجَرْ سماءٌ دَرَرٌ أَي ذاتُ دِرَرٍ. وفي حديث الاستسقاء: دِيَماً دِرَراً: هو جمع دِرَّةٍ. يقال للسحاب دِرَّة أَي صَبُّ واندقاق، وقيل: الدِّرَرُ الدارُّ، كقوله تعالى: دِيناً قِيَماً؛ أَي قائماً. وسماء مِدْرارٌ أَي تَدِرُّ بالمطر. والريحُ تُدِرُّ السَّحابَ وتَسْتَدِرُّه أَي تَسْتَجْلبه ..
((قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53).)) .. مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ: البينة: الدليل والحجة ..
((إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54).)) .. مِمَّا تُشْرِكُونَ: أشرك بالله: جعل له شريكا .. والله لا يشارك في ملكه ولا في ذاته ولا في صفاته ..
((مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِي (55).)) .. ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِي: أنظره: أمهله .. والنَّظَرُ: الانتظار. ويقال: نَظَرْتُ فلاناً وانْتَظَرْتُه بمعنى واحد، فإِذا قلت انْتَظَرْتُ فلم يُجاوِزْك فعلك فمعناه وقفت وتمهلت. ومنه قوله تعالى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ من نُوركم، قرئ: انْظُرُونا وأَنْظِرُونا بقطع الأَلف، فمن قرأَ انْظُرُونا، بضم الأَلف، فمعناه انْتَظِرُونا، ومن قرأَ أَنْظِرُونا فمعناه أَخِّرُونا؛ وقال الزجاج: قيل معنى أَنْظِرُونا انْتَظِرُونا أَيضاً؛ ومنه قول عمرو بن كلثوم: أَبا هِنْدٍ فلا تَعْجَلْ علينا، وأَنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا وقال الفرّاء: تقول العرب أَنْظِرْني أَي انْتَظِرْني قليلاً، ويقول المتكلم لمن يُعْجِلُه: أَنْظِرْني أَبْتَلِع رِيقِي أَي أَمْهِلْنِي ..
((إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56).)) .. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ: والمُتَوَكِّل على الله: الذي يعلم أَن الله كافِلٌ رزقه وأَمْرَه فيرْكَن إِليه وحْدَه ولا يتوَكَّل على غيره. ابن سيده: وَكِلَ بالله وتوَكَّل عليه واتَّكَل استَسْلم إِليه، وتكرّر في الحديث ذكر التَّوكُّل؛ يقال: توكَّل بالأَمر إِذا ضَمِن القِيامَ به، ووَكَلْت أَمري إِلى فلان أَي أَلجَأْتُه إِليه واعتمدت فيه عليه، ووَكَّل فلانٌ فلاناً إِذا استَكْفاه أَمرَه ثِقةً بكِفايتِه أَو عَجْزاً عن القِيام بأَمر نفسه. ووَكَل إِليه الأَمرَ: سلَّمه. ووَكَلَه إِلى رأْيه وَكْلاً ووُكُولاً: تركه .. ((مَا مِنْ دَابَّةٍ)): والدَّابَّة: اسمٌ لما دَبَّ من الحَيَوان، مُمَيِّزةً وغيرَ مُمَيِّزة. وفي التنزيل العزيز: واللّه خلق كلَّ دابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُم مَنْ يَمْشِي على بَطْنِه؛ ولمَّا كان لِما يَعقِلُ، ولما لا يَعْقِلُ، قيل: فَمِنْهُم؛ ولو كان لِما لا يَعْقِلُ، لَقِيل: فَمِنْها، أَو فَمِنْهُنَّ، ثم قال: مَنْ يَمْشِي على بَطْنِه؛ وإِن كان أَصْلُها لِما لا يَعْقِلُ، لأَنَّه لمَّا خَلَط الجَماعَةَ، فقال منهم، جُعِلَت العِبارةُ بِمنْ؛ والمعنى: كلَّ نفس دَابَّةٍ. وقوله، عز وجل: ما تَرَكَ على ظَهْرِها من دَابَّةٍ؛ قيل من دَابَّةٍ من الإِنْسِ والجنِّ، وكُلِّ ما يَعْقِلُ؛ وقيل: إِنَّما أَرادَ العُمومَ؛ يَدُلُّ على ذلِكَ قول ابن عباس، رضي اللّه عنهما: كادَ الجُعَلُ يَهْلِكُ، في جُحْرِهِ، بذَنْبِ ابنِ آدمَ .. ((إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)): النَّاصِيةُ: واحدة النَّواصي. ابن سيده: الناصِيةُ والنَّصاةُ، لغة طيئية، قُصاصُ الشعر في مُقدَّم الرأْس؛ قال حُرَيْث بن عَتاب الطائي: لقَدْ آذَنَتْ أَهْلَ اليَمامةِ طَيِّء ٌبحَرْبٍ كناصاةِ الحِصانِ المُشَهَّرِ وليس لها نظير إِلا حرفين: بادِيةٌ وباداةٌ وقارِيةٌ وقاراةٌ، وهي الحاضِرةُ. ونَصاه نَصْواً: قبض على ناصِيَتِه، وقيل: مَدَّ بها. وقال الفراء في قوله عز وجل: لنَسْفَعَنْ بالنّاصِيةِ؛ ناصِيَتُه مقدَّمُ رأْسه أَي لنَهْصُرَنَّها لنَأْخُذَنَّ بها أَي لنُقِيمَنَّه ولَنُذِلَّنَّه. قال الأَزهري: الناصِية عند العرب مَنْبِتُ الشعر في مقدَّم الرأْس، لا الشعَرُ الذي تسميه