((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57).)) .. وثَقِفْتُه إذا ظَفِرْتَ به. قال اللّه تعالى: فإِمَّا تَثْقَفَنَّهم في الحرب. وثَقُفَ الرجلُ ثَقافةً أي صار حاذِقاً خفيفاً مثل ضَخُم، فهو ضَخْمٌ، 0 ومنه المُثاقَفةُ. وثَقِفَ أَيضاً ثَقَفاً مثل تَعِبَ تَعَباً أَي صار حاذِقاً فَطِناً، فهو ثَقِفٌ وثَقُفٌ مثل حَذِرٍ وحَذُرٍ ونَدِسٍ ونَدُسٍ؛ ففي حديث الهِجْرةِ: وهو غلام لَقِنٌ ثَقِفٌ أَي ذو فِطْنةٍ وذَكاء، والمراد أَنه ثابت المعرفة بما يُحتاجُ إليه .. ((فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ)): أي اجعلهم عبرة لمن يعتبر ولمن عمل نفس عملهم .. والتَّشْريدُ: الطَّرْد. وفي الحديث: لَتَدْخُلُنّ َالجنةَ أَجمعون أَكتعون إِلا من شَرَدَ على الله أَي خرج عن طاعته وفارق الجماعة من شَرَدَ البعيرُ إِذا نفر وذهب في الأَرض. وفرس شَرُود: وهو المُسْتَعْصي على صاحبه .. وتقول: أَشْرَدْتُه وأَطْرَدْتُهُ إِذا جعلته شَريداً طَريداً لا يُؤْوى. وشَرَدَ الرجلُ شُروداً: ذهب مَطْرُِوداً. وأَشْرَدَه وشَرَّدَه: طَردَه. وشَرَّدَ به: سَمَّع بعيوبه ..
((وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58).)) .. والمنابذة والانتباذ: تحيز كل واحد من الفريقين في الحرب. وقد نابذهم لحربَ ونَبَذَ إِليهم على سواء يَنْبِذ أَي نابذهم الحرب. وفي التنزيل: فانبذ إِليهم على سواء؛ قال اللحياني: على سواء أَي على الحق والعدل. ونابذه الحرب: كاشفه. والمُنابذة: انتباذ الفريقين للحق؛ تقول: نابذناهم الحرب ونبذنا إِليهم الحرب على سواء. قال أَبو منصور: المنابذة أَن يكون بين فريقين مختلفين عهد وهدنة بعد القتال، ثم أَراد نفض ذلك العهد فينبذ كل فريق منهما إِلى صاحبه العهد الذي تهادنا عليه؛ ومنه قوله تعالى: وإِما تخافن من قوم خيانة فانبذ إِليهم على سواء؛ المعنى: إِن كان بينك وبين قوم هدنة فخفت منهم نقضاً للعهد فلا تبادر إِلى النقض حتى تلقي إِليهم أَنك قد نقضت ما بينك وبينهم، فيكونوا معك في علم النقض والعود إِلى الحرب
مستوين. وفي حديث سلمان: وإِن أَبيتم نابذناكم على سواء أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستوفي العلم بالمنابذة منا ومنكم بأَن نظهر لهم العزم على قتالهم ونخبرهم به إِخباراً مكشوفاً. والنبذ: يكون بالفعل والقول في الأَجسام والمعاني؛ ومنه نبذ العهد: إِذا نقضه وأَلقاه إِلى من كان بينه ..
((وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ (59).)) .. والتَّعْجِيزُ: التَّثْبِيط، وكذلك إِذا نسبته إِلى العَجْز. وعَجَّزَ الرجلُ وعاجَزَ: ذهب فلم يُوصَل إِليه. وقوله تعالى في سورة سبأ: والذين سَعَوْا في آياتنا مُعاجِزِين؛ قال الزجاج: معناه ظانِّين أَنهم يُعْجِزُوننا لأَنهم ظنوا أَنهم لا يُبعثون وأَنه لا جنة ولا نار، وقيل في التفسير: مُعاجزين معاندين وهو راجع إِلى الأَوّل، وقرئت مُعَجِّزين، وتأْويلها أَنهم يُعَجِّزُون من اتبع النبي، صلى الله عليه وسلم، ويُثَبِّطُونهم عنه وعن الإِيمان بالآيات وقد أَعْجَزهم. وفي التنزيل العزيز: وما أَنتم بمُعْجِزِين في الأَرض ولا في السماء؛ قال الفاء: يقول القائل كيف وصفهم بأَنهم لا يُعْجِزُونَ في الأَرض ولا في السماء وليسوا في أَهل السماء؟ فالمعنى ما أَنتم بمُعْجِزِينَ في الأَرض ولا من في السماء بمُعْجِزٍ، وقال أَبو إِسحق: معناه، والله أَعلم، ما أَنتم بمُعْجِزِين في الأَرض ولا لو كنتم في السماء، وقال الأَخفش: معناه ما أَنتم بمُعْجِزِين في الأَرض ولا في السماء أَي لا تُعْجِزُوننا هَرَباً في الأَرض ولا في السماء ..
((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60).)) ..
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ: ويقال: نِعم الرَّبِيطُ هذا لما يُرْتَبَطُ من الخيل. ويقال: لفلان رِباطٌ من الخيل كما تقول تِلادٌ، وهو أَصلُ خيلِه. وقد خَلَّف فلان بالثَّغْر خيلاً رابِطةً، وببلد كذا رابِطةٌ من الخيل. ورِباطُ الخيلِ: مُرابَطَتُها. والرِّباطُ من الخيل: الخمسةُ فما فوقها .. والرِّباطُ والمُرابَطةُ: مُلازمةُ ثَغْرِ العَدُوِّ، وأَصله أَن يَرْبِطَ كلّ ُواحد من الفَريقين خيلَه، ثم صار لزومُ الثَّغْرِ رِباطاً، وربما سميت الخيلُ أَنفُسها رِباطاً. والرِّباطُ: المُواظَبةُ على الأَمر. قال الفارسي: هو ثانٍ من لزومِ الثغر، ولزومُ الثغْر ثانٍ من رِباط الخيل.
وقوله عزَّ وجلَّ: وصابِرُوا ورابِطُوا؛ قيل: معناه حافِظُوا، وقيل: واظِبُوا على مَواقِيت الصلاة .. ((تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)): رَهِبَ، بالكسر، يَرْهَبُ رَهْبَةً ورُهْباً، بالضم، خافَه. والاسم: الرُّهْبُ .. وأرْهَبَه ورَهَّبَه واستَرْهَبَه: أَخافَه وفَزَّعه. واسْتَرْهَبَه: اسْتَدْعَى رَهْبَتَه حتى رَهِبَه الناسُ؛ وبذلك فسر قوله عز وجل: واسْترْهَبُوهُم وجاؤُوا بسحْرٍ عظيمٍ؛ أَي أَرْهَبُوهم. وفي حديث بَهْز بن حَكِيم: إِني لأَسمع الرَّاهِبةَ. قال ابن الأَثير: هي الحالة التي تُرْهِبُ أَي تُفْزِعُ وتُخَوِّفُ ..