تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: فأَمّا من ثَقُلَتْ مَوَازِينُه وأَما مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه؛ قال ثعلب: إِنما أَرادَ مَنْ ثَقُلَ وَزْنُه أَو خَفّ وَزْنُه، فوضع الاسم الذي هو الميزان موضع المصدر. قال الزجاج: اختلف الناس في ذكر الميزان في القيامة، فجاء في التفسير: أَنه مِيزانٌ له كِفَّتانِ، وأَن المِيزانَ أُنزل في الدنيا ليتعامل الناس بالعَدْل وتُوزَنَ به الأَعمالُ، وروى جُوَيْبر عن الضَّحَّاك: أَن الميزان العَدْلُ، قال: وذهب إِلى قوله هذا وَزْنُ هذا، وإِن لم يكن ما يُوزَنُ، وتأْويله أَنه قد قام في النفس مساوياً لغيره كما يقوم الوَزْنُ في مَرْآةِ العين، وقال بعضهم: الميزانُ الكتاب الذي فيه أَعمال الخَلْق؛ قال ابن سيده: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغٌ إِلا أَن الأَولى أَن يُتَّبَعَ ما جاء بالأَسانيد الصحاح، فإِن جاء في الخبر أَنه مِيزانٌ له كِفَّتانِ، من حيث يَنْقُلُ أَهلُ الثِّقَة، فينبغي أَن يُقْبل ذلك. وقوله تعالى: فلا نُقِيمُ لهم يوم القيامة وَزْناً. قال أَبو العباس: قال ابن الأَعرابي العرب تقول ما لفلان عندي وَزْنٌ أَي قَدْرٌ لخسته. وقال غيره: معناه خِفّةُ مَوَازينهم من الحَسَنات .. ((فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)): الفَلَح والفَلاحُ: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير؛ وفي

حديث أَبي الدَّحْداحِ: بَشَّرَك الله بخير وفَلَحٍ أَي بَقاءٍ وفَوْز، وهو مقصور من الفلاح، وقد أَفلح. قال الله عَزَّ من قائل: قد أَفْلَحَ المؤمنون أَي أُصِيرُوا إِلى الفلاح؛ قال الأَزهري: وإِنما قيل لأَهل الجنة مُفْلِحون لفوزهم ببقاء الأَبَدِ. وفَلاحُ الدهر: بقاؤُه، يقال: لا أَفعل ذلك فَلاحَ الدهر ..

((وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9).)) .. خِسِرَ خَسْراً وخَسَراً وخُسْراناً وخَسَارَةً وخَسَاراً، فهو خاسِر وخَسِرٌ، كله: ضَلَّ. والخَسَار والخَسارة والخَيْسَرَى: الضلال والهلاك، والياء فيه زائدة. وفي التنزيل العزيز: والعصر ِإِن الإِنسان لفي خُسْر؛ الفراء: لفي عقوبة بذنبه وأَن يَخْسَر أَهله ومنزله في الجنة. وقال عز وجل: خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هو الخُسْران المبين .. وفي الحديث: ليس من مؤمن ولا كافر إِلا وله منزل في الجنة وأَهل وأَزواج، فمن أَسلم سَعِدَ وصار إِلى منزله، ومن كفر صار منزله وأَزواجه إِلى من أَسلم وسعد، وذلك قوله: الذين يرثون الفردوس؛ يقول: يرثون منازل الكفار، وهو قوله: الذين خسروا أَنفسهم وأَهليهم يوم القيامة؛ يقول: أَهلكوهما؛ الفراء: يقول غَبِنُوهما. ابن الأَعرابي: الخاسر الذي ذهب ماله وعقله أَي خسرهما. وخَسِرَ التاجر: وُضِعَ في تجارته أَو غَبِنَ، والأَوّل هو الأَصل. وأَخْسَرَ الرجلُ إِاذ وافق خُسْراً في تجارته ..

((وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (10).)) .. وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ: والمَكانةُ: التُّؤدَةُ، وقد تَمَكَّنَ. ومَرَّ على مَكِينته أَي على تُؤدَتِه. أَبو زيد: يقال امْشِ على مَكِينتِكَ ومَكانتك وهِينَتِكَ. قال قطرب: يقال فلان يعمل على مَكِينتِه أَي على اتِّئاده. وفي التنزيل العزيز: اعْمَلُوا على مَكانَتِكم؛ أَي على حيالِكم وناحيتكم؛ وقيل: معناه أَي على ما أَنتم عليه مستمكنون. الفراء: لي في قلبه مَكانَةٌ ومَوْقِعة ومَحِلَّةٌ. أَبو زيد: فلان مَكين عند فلان بَيِّنُ المَكانَةِ، يعني المنزلة. الجوهري: المَكِنَةُ، بكسر الكاف، واحدة المَكِنِ والمَكِناتِ. وقوله، صلى الله عليه وسلم: أَقِرُّوا الطير على مَكِناتها ومَكُناتها، بالضم، قيل: يعني بيضها على أَنه مستعار لها من الضبة، لأَن المَكِنَ ليس للطير، وقيل: عَنى مَوَاضع الطير. والمكنات في الأَصل: بيض الضِّباب. قال أَبو عبيد: سأَلت عِدَّةً من الأَعراب عن مَكِناتِها فقالوا: لا نعرف للطير مَكِناتٍ، وإِنما هي وُكُنات،،إنما المَكِناتُ بيض الضِّبابِ؛ قال أَبو عبيد: وجائز في كلام العرب أَن يستعار مَكْنُ الضِّبابِ فيجعل للطير تشبيهاً بذلك، كما قالوا مَشافر الحَبَشِ، وإنما المَشافر للإبل؛ وكقول زهير يصف الأَسد: لدَى أَسَدٍ شاكي السِّلاح مُقَذَّفٍ، له لِبَدٌ أَظفارُه لم تُقَلَّمِ وإنما له المَخالِبُ؛ قال: وقيل في تفسير قوله أَقِرُّوا الطير على مَكِناتها، يريد على أَمْكِنتها، ومعناه الطير التي يزجر بها، يقول: لا تَزْجُرُوا الطير ولا تلتفتوا إليها، أَقِرُّوها على مواضعها التي جعلها الله لها أَي لا تضر ولا تنفع، ولا تَعْدُوا ذلك إلى غيره؛ وقال شمر: الصحيح في قوله على مَكِناتِها أَنها جمع المَكِنَة، والمَكِنةُ التمكن .. ((وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ)): والمَعاشُ والمَعِيشُ والمَعِيشةُ: ما يُعاشُ به، وجمع المَعِيشة مَعايِشُ على القياس، ومَعائِشُ على غير قياس، وقد قُرِئَ بهما قوله تعالى: وجَعَلْنا لكم فيها مَعايِشَ؛ وأَكثر القراء على ترك الهمز في معايش إِلا ما روي عن نافع فإِنه همَزها، وجميع النحويين البصريين يزْعُمون أَن همزَها خطأٌ، وذكروا أَن الهمزة إِنما تكون في هذه الياء إِذا كانت زائدة مثل صَحِيفة وصحائف، فأَما مَعايشُ فمن العَيْش الياءُ أَصْليّةُ. قال الجوهري: جمعُ المَعِيشة مَعايشُ بلا همز إِذا جمعتها على الأَصل، وأَصلها مَعْيِشةٌ، وتقديرها مُفْعِلة، والياءُ أَصلها

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ٥٢١