تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قضيته علي؛ وقيل: معناه إِني مُتَمَسِّكٌ بما عَهِدْتَه إِليّ من أَمرك ونهيك ومُبْلي العُذْرِ في الوفاءِ به قَدْرَ الوُسْع والطاقة، وإِن كنت لا أَقدر أَن أَبلغ كُنْهَ الواجب فيه. والعَهْدُ: الوصية ..

((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153).)) .. وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي: الصراط: جمع صرط: الطريق .. ((وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)): السَّبيلُ: الطريقُ وما وَضَحَ منه، يُذَكَّر ويؤنث. وسَبِيلُ الله: طريق الهُدى الذي دعا إِليه. وفي التنزيل العزيز: وإِن يَرَوْا سَبيلَ الرُّشْد لا يَتَّخِذوه سَبيلاً وإِنْ يَرَوْا سَبيل الغَيِّ يتَّخذوه سَبيلاً، فذُكِّر؛ وفيه: قل هذه سَبيلي أَدْعُو إِلى الله على بصيرةٍ، فأُنِّث. وقوله تعالى: وعلى الله قَصْدُ السَّبِيل ومنها جائرٌ؛ فسره ثعلب فقال: على الله أَن يَقْصِدَ السَّبيلَ للمسلمين، ومنها جائر أَي ومن الطُّرُق جائرٌ على غير السَّبيل، فينبغي أَن يكون السَّبيل هنا اسم الجنس لا سَبيلاً واحداً بعينه، لأَنه قد قال ومنها جائرٌ أَي ومنها سَبيلٌ جائر. وفي حديث سَمُرة: فإِذا الأَرضُ عند أَسْبُله أَي طُرُقه، وهو جمع قِلَّة .. ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)): اتقاه: خافه وحذره .. التقوى: مخافة الله والعمل بطاعته ..

((ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154).)) .. أي أعطيناه التوراة إضافة على ما كان يحسنه موسى من قبل أن تنزل التوراة .. قال العلماء تماما على المحسنين من التقاة من الأنبياء والمؤمنين .. وتمام التمام القرآن الكريم .. فإنه رأس العلم والحكمة وتمام الفضل والنور لهداية الناس في كل مكان وزمان إلى قيام الساعة التي لا شك فيها إطلاقا .. ((لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)): آمن به إيانا: صدقه ووثق به .. الإيمان: التصديق .. ضد التكذيب ..

((وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155).)) .. وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ: أي القرآن الكريم .. ((وَاتَّقُوا)): وتَوَقَّى واتَّقى بمعنى. وقد توَقَّيْتُ واتَّقَيْتُ الشيء وتَقَيْتُه أَتَّقِيه وأَتْقِيه تُقًى وتَقِيَّةً وتِقاء: حَذِرْتُه؛ الأَخيرة عن اللحياني، والاسم التَّقْوى .. ((لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)): رحمه رحمه: رق له وشفق وتعطف وغفر له ..

((أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156).)) .. ((عَلَى طَائِفَتَيْنِ)): يقال: طائفة من الناس وطائفة من الليل. وفي الحديث: لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي على الحقّ؛ الطائفةُ: الجماعة من الناس وتقع على الواحد كأَنه أَراد نفساً طائفة؛ وسئل إسحق بن راهويه عنه فقال: الطائفةُ دون الأَلف وسَيبْلُغ هذا الأَمرُ إلى أَن يكون عدد المتمسكين بما كان عليه رسول اللّه، صلى اللّه عليه وآله وسلم، وأَصحابه أَلفاً يُسَلِّي بذلك أَن لا يُعْجِبهم كثرة ُأَهل الباطل. وفي حديث عمران بن حُصَيْن وغُلامه الآبِقِ: لأَقْطَعَنّ منه طائفاً؛ هكذا جاء في رواية، أَي بعض أَطرافه، ويروى بالباء والقاف. والطائفةُ: القِطعةُ من الشيء .. والمعنى الطائفتن في الآية السالفة البيان: اليهود والنصارى .. ((وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ)): ودَرَسَ الكتابَ يَدْرُسُه دَرْساً ودِراسَةً ودارَسَه، من ذلك، كأَنه عانده حتى انقاد لحفظه. وقد قرئ بهما: وليَقُولوا دَرَسْتَ، وليقولوا دارَسْتَ، وقيل: دَرَسْتَ قرأَتَ كتبَ أَهل الكتاب، ودارَسْتَ: ذاكَرْتَهُم، وقرئ: دَرَسَتْ ودَرُسَتْ أَي هذه أَخبار قد عَفَتْ وامَّحَتْ، ودَرُسَتْ أَشدّ مبالغة .. ودَرَسْتُ الكتاب أَدْرُسُه دَرْساً أَي ذللته بكثرة القراءة جتى خَفَّ حفظه عليَّ، من ذلك .. ((لَغَافِلِينَ)): غَفَلَ عنه يَغْفُلُ غُفولاً وغَفْلةً وأَغْفَلَه عنه غيرُه وأَغْفَلَه: تركَه وسها عنه ..

((أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) ... )) .. فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ: والبَيانُ: ما بُيِّنَ به الشيءُ من الدلالة وغيرِها. وبانَ الشيءُ بَياناً: اتَّضَح، فهو بَيِّنٌ، والجمع أَبْيِناءُ، مثل هَيِّن وأَهْيِناء، وكذلك أَبانَ الشيءُ فهو مُبينٌ؛ قال الشاعر:

لو دَبَّ ذَرٌّ فوقَ ضاحِي جلدِها، لأَبانَ من آثارِهِنَّ حُدورُ قال ابن بري عند قول الجوهري والجمع أَبْيِناء مثل هيِّن وأَهْيِناء، قال: صوابه مثل هيِّنٍ وأَهْوِناء لأَنه من الهَوانِ. وأَبَنْتُه أَي أَوْضَحْتُه. واستَبانَ الشيءُ: ظهَر. واستَبَنْتُه أَنا: عرَفتُه. وتَبَيَّنَ الشيءُ: ظَهَر، وتَبيَّنْتهُ أَنا، تتعدَّى هذه الثلاثةُ ولا تتعدّى.

وقالوا: بانَ الشيءُ واسْتَبانَ وتَبيَّن وأَبانَ وبَيَّنَ بمعنى واحد؛ ومنه قوله تعالى: آياتٍ مُبَيِّناتٍ، بكسر الياء

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ٥١٤