ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين، قال الله عز وجل: الذين فرَّقوا دِينَهم وكانوا شِيَعاً؛ كلُّ فِرْقةٍ تكفِّر الفرقة المخالفة لها، يعني به اليهود والنصارى لأَنّ النصارى بعضُهُم بكفراً بعضاً، وكذلك اليهود، والنصارى تكفِّرُ اليهود واليهودُ تكفرهم وكانوا أُمروا بشيء واحد. وفي حديث جابر لما نزلت: أَو يُلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذيقَ بعضَكم بأْس بعض، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: هاتان أَهْوَنُ وأَيْسَرُ؛ الشِّيَعُ الفِرَقُ، أَي يَجْعَلَكُم فرقاً مختلفين. وأَما قوله تعالى: وإِنَّ من شيعته لإِبراهيم، فإِن ابن الأَعرابي قال: الهاءُ لمحمد، صلى الله عليه وآله وسلم، أَي إِبراهيم خَبَرَ نَخْبَره، فاتَّبَعَه ودَعا له، وكذلك قال الفراء: يقول هو على مِناجه ودِينه وإِن كَان ابراهيم سابقاً له، وقيل: معناه أَي من شِيعة نوح ومن أَهل مِلَّتِه، قال الأَزهري: وهذا القول أَقرب لأَنه معطوف على قصة نوح، وهو قول الزجاج. والشِّيعةُ: أَتباع الرجل وأَنْصارُه، وجمعها شِيَعٌ، وأَشْياعٌ جمع الجمع. ويقال: شايَعَه كما يقال والاهُ من الوَلْيِ .. ((وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)): الليث: والبَأْساءُ اسم الحرب والمشقة والضرب. والبَأْسُ: العذاب. والبأْسُ: الشدة في الحرب. وفي حديث علي، رضوان اللَّه عليه: كنا إِذا اشتدَّ البأْسُ اتَّقَيْنا برسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وآله وسلم؛ يريد الخوف ولا يكون إِلا مع الشدَّة. ابن الأَعرابي: البأْسُ والبَئِسُ، على مثال فَعِلٍ، العذاب الشديد. ابن سيده: البأْس الحرب ثم كثر حتى قيل لا بَأْسَ عليك، ولا بَأْسَ أَي لا خوف .. ((لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)): الفِقْهُ الفهم وقد فَقِهَ الرجل بالكسر فِقْهاً وفلان لا يفقه ولا ينقه و أفْقَهْتُهُ الشيء هذا أصله ثم خص به علم الريعة والعالم به فَقِيهٌ وقد فَقُهَهُ الله تفقِيهاً و تَفَقَّهَهَ إذا تعاطى ذلك و فاقَهَهُ باحثه في العلم ..
((وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66).)) .. وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ: قريش .. لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: في أَسماء الله تعالى الوَكِيلُ: هو المقيم الكفيل بأَرزاق العباد، وحقيقته أَنه يستقلُّ بأَمر المَوْكول إِليه. وفي التنزيل العزيز: أَن لا تَتَّخِذوا من دُوني وكِيلاً؛ قال الفراء: يقال رَبًّا ويقال كافِياً؛ ابن الأَنباري: وقيل الوَكِيلُ الحافظ، وقال أَبو إِسحق: الوَكِيلُ في صفة الله تعالى الذي توَكَّل بالقيام بجميع ما خَلَق، وقال بعضهم: الوَكِيلُ الكفيل ونِعْمَ الكَفِيل بأَرزاقِنا، وقال في قولهم حَسْبُنا الله ونِعْم الوَكِيلُ: كافِينا اللهُ ونِعْمَ الكافي، كقولك: رازقنا اللهُ ونِعْم الرازق .. والمُتَوَكِّل على الله: الذي يعلم أَن الله كافِلٌ رزقه وأَمْرَه فيرْكَن إِليه وحْدَه ولا يتوَكَّل على غيره. ابن سيده: وَكِلَ بالله وتوَكَّل عليه واتَّكَل استَسْلم إِليه، وتكرّر في الحديث ذكر التَّوكُّل؛ يقال: توكَّل بالأَمر إِذا ضَمِن القِيامَ به، ووَكَلْت أَمري إِلى فلان أَي أَلجَأْتُه إِليه واعتمدت فيه عليه، ووَكَّل فلانٌ فلاناً إِذا استَكْفاه أَمرَه ثِقةً بكِفايتِه أَو عَجْزاً عن القِيام بأَمر نفسه. ووَكَل إِليه الأَمرَ: سلَّمه. ووَكَلَه إِلى رأْيه وَكْلاً ووُكُولاً: تركه ..
((لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67).)) .. "النبأ: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولتضمن النبإ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا كقولك: أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا" .. النَّبَأُ: الخبر، والجمع أَنْبَاءٌ، وإِنَّ لفلان نَبَأً أَي خبراً. وقوله عز وجل: عَمَّ يَتساءَلُون عن النَّبَإِ العظيم. قيل عن القرآن، وقيل عن البَعْث، وقيل عن أَمْرِ النبي، صلى اللّه عليه وآله وسلم. وقد أَنْبَأَه إِيّاه وبه، وكذلك نَبَّأَه، متعدية بحرف وغير حرف، أَي أَخبر. وحكى سيبويه: أَنا أَنْبُؤُك، على الإِتباع .. والمعنى لكل خبر حقيقة وسوف تعلمون هذه الحقيقة من باب علم الشيء علما: أدركه بحقيقته وكنهه .. العلم: أدرا الشيء بحقيقته وكنهه ..
((وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68).)) .. والخَوْضُ: اللَّبْسُ في الأَمر. والخَوْضُ من الكلام: ما فيه الكذب والباطل، وقد خاضَ فيه. وفي التنزيل العزيز: وإِذا رأَيْتَ الذين يَخُوضون في آياتنا. وخاضَ القومُ في الحديث وتَخاوَضُوا أَي تفاوضوا فيه. وأَخاضَ القومُ خيلَهم الماءَ إِخاضةً إِذا خاضوا بها الماء. والمَخاضُ من النهر الكبير: الموضعُ الذي يَتخَضْخَضُ ماؤُه فَيُخاضُ عند العُبور عليه، ويقال المَخاضَةُ، بالهاء أَيضاً .. ((وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ)): وشَطَنَ عنه: بَعُدَ. وأَشْطَنَه: أَبعده. وفي الحديث: كل هَوًى