صدق الله العظيم
(سورة الأنعام)
* التحليل:
ما الحركة الغريبة والعجيبة التي يحياها الإنسان السادر في غيه ولا يأبه لها؟ .. ما النوم وما الموت؟ .. والخيط الرفيع الرابط بينهما؟ .. لماذا ينكر الكافر البعث والجزاء وهو يدرك أنه ميت لا محالة فراحل عن هذه الحياة القصيرة مهما طالت والقليلة مهما كثرت؟ .. لماذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بعدم الجلوس مع الظالمين؟ ومن هم الظالمون؟ .. ومن هم المتقون؟ .. عن هذه الأسئلة وأكثر تجدون الأجوبة الكافية الشافية في التحليل التالي إن شاء الله تعالى:
(( ... وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60).)) .. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ: والوَفاةُ: المَنِيَّةُ. والوفاةُ: الموت. وتُوُفِّيَ فلان وتَوَفَّاه الله إذا قَبَضَ نفسه .. وفي الصحاح إذا قَبَضَ رُوحَه، وقال غيره: تَوَفِّي الميتِ اسْتِيفاء مُدَّتِه التي وُفِيتْ له وعَدَد أَيامِه وشُهوره وأَعْوامه في الدنيا. وتَوَفَّيْتُ المالَ منه واسْتوْفَيته إذا أَخذته كله. وتَوَفَّيْتُ عَدَد القومِ إذا عَدَدْتهم كُلَّهم؛ وأَنشد أَبو عبيدة لمنظور الوَبْرِي: إنَّ بني الأَدْرَدِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ، ولا تَوَفَّاهُمْ قُرَيشٌ في العددْ أَي لا تجعلهم قريش تَمام عددهم ولا تَسْتَوفي بهم عدَدَهم؛ ومن ذلك قوله عز وجل: الله يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتِها؛ أَي يَسْتَوفي مُدَد آجالهم في الدنيا، وقيل: يَسْتَوْفي تَمام عدَدِهم إِلى يوم القيامة، وأَمّا تَوَفِّي النائم فهو اسْتِيفاء وقْت عَقْله وتمييزه إِلى أَن نامَ. وقال الزجاج في قوله: قل يَتَوَفَّاكم مَلَكُ الموت، قال: هو من تَوْفِية العدد، تأْويله أَن يَقْبِضَ أَرْواحَكم أَجمعين فلا ينقُص واحد منكم، كما تقول: قد اسْتَوْفَيْتُ من فلان وتَوَفَّيت منه ما لي عليه؛ تأْويله أَن لم يَبْقَ عليه شيء. وقوله عز وجل: حتى إذا جاءتهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم؛ قال الزجاج: فيه، والله أَعلم، وجهان: يكون حتى إذا جاءتهم ملائكةُ الموت يَتَوَفَّوْنَهم سَأَلُوهم عند المُعايَنة فيعترفون عند موتهم أَنهم كانوا كافرين، لأَنهم قالوا لهم أَين ما كنتم تدعُون من دون الله؟ قالوا: ضَلُّوا عنا أَي بطلوا وذهبوا، ويجوز أَن يكون، والله أَعلم، حتى إذا جاءتهم ملائكة العذابِ يتوفونهم، فيكون يتوفونهم في هذا الموضع على ضربين: أَحدهما يَتَوَفَّوْنَهم عذاباً وهذا كما تقول: قد قَتَلْتُ فلاناً بالعذاب وإن لم يمت، ودليل هذا القول قوله تعالى: ويأْتِيه الموتُ من كلِّ مَكانٍ وما هو بمَيِّت؛ قال: ويجوز أَن يكون يَتَوَفَّوْنَ عِدَّتهم، وهو أَضعف الوجهين، والله أعلم .. ((وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ)): وجَرَح الشيءَ واجْتَرَحَه: كَسَبه؛ وفي التنزيل: وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جَرَحْتُمْ بالنهار. الأَزهري: قال أَبو عمرو: يقال لإِناث الخيل جَوارِحُ، واحدتها جارِحَة لأَنها تُكسب أَربابَها نِتاجَها؛ ويقال: ما له جارِحَة أَي ما له أُنثى ذاتُ رَحِمٍ تَحْمِلُ؛ وما له جارحة أَي ما له كاسِبٌ. وجَوارحُ المال: ما وَلَد؛ يقال: هذه الجارية وهذه الفرس والناقة والأَتان من جوارح المال أَي أَنها شابَّة مُقْبِلَة الرَّحِم والشباب يُرجَى وَلدُها. وفلان يَجْرَحُ لعياله ويَجْتَرِحُ ويَقْرِشُ ويَقْتَرِشُ، بمعنى؛ وفي التنزيل: أَم حَسِبَ الذين اجْتَرَحُوا السيِّئات؛ أَي اكتسبوها. فلان جارحُ أَهلِه وجارِحَتُهم أَي كاسِبُهم .. ((ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)): رجع يرجع رَجْعاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انصرف. وفي التنزيل: إِن إِلى ربك الرُّجْعى، أَي الرُّجوعَ والمَرجِعَ، مصدر على فُعْلى؛ وفيه: إِلى الله مَرْجِعُكم جميعاً، أَي رُجُوعكم؛ حكاه سيبويه ..
((وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61).)) .. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ: القَهْرُ: الغَلَبة والأَخذ من فوق. والقَهَّارُ: من صفات الله عز
وجل. قال الأَزهري: والله القاهرُ القَهّار، قَهَرَ خَلْقَه بسلطانه وقدرته وصَرَّفهم على ما أَراد طوعاً وكرهاً، والقَهَّار للمبالغة. وقال ابن الأَثير: القاهر هو الغالب جميع الخلق .. ((وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً)): جاء في مختار الصحاح: