وأَضَفْتَه إِلى الثاني، وإِن شِئْتَ بَنَيْت الأَولَ على الفتح وأَعْرَبت الثاني بإِعراب ما لا ينصرف .. وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي: أَذِنَ بالشيء إذْناً وأَذَناً وأَذانةً: عَلِم. وفي التنزيل العزيز: فأْذَنوا بحَرْبٍ من الله ورسوله؛ أَي كونوا على عِلْمٍ. وآذَنَه الأَمرَ وآذَنه به: أَعْلَمَه، وقد قُرئ: فآذِنوا بحربٍ من الله؛ معناه أَي
أَعْلِمُوا كلَّ مَن لم يترك الرِّبا بأَنه حربٌ من الله ورسوله. ويقال: قد آذَنْتُه بكذا وكذا، أُوذِنُه إيذاناً وإذْناً إذا أَعْلَمْته، ومن قرأ فأْذَنُوا أَي فانْصِتُوا. ويقال: أَذِنْتُ لفلانٍ في أَمر كذا وكذا آذَنُ له إِذْناً، بكسر الهمزة وجزمِ الذال، واسْتَأْذَنْتُ فلانا ًاسْتِئْذاناً. وأَذَّنْتُ: أَكْثرْتُ الإعْلامَ بالشيء. والأَذانُ: الإعْلامُ ..
((وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111).)) .. إِلَى الْحَوَارِيِّينَ: وفي حديث صفة الجنة: إِن في الجنة لَمُجْتَمَعاً للحُورِ العِينِ. والتَّحْوِيرُ: التببيض. والحَوارِيُّونَ: القَصَّارُونَ لتبييضهم لأَنهم كانوا قصارين ثم غلب حتى صار كل ناصر وكل حميم حَوارِيّاً. وقال بعضهم: الحَوارِيُّونَ صَفْوَةُ الأَنبياء الذين قد خَلَصُوا لَهُمْ؛ وقال الزجاج: الحواريون خُلْصَانُ الأَنبياء، عليهم السلام، وصفوتهم. قال: والدليل على ذلك قول النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: الزُّبَيْرُ ابن عمتي وحَوارِيَّ من أُمَّتِي؛ أَي خاصتي من أَصحابي وناصري. قال: وأَصحاب النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، حواريون، وتأْويل الحواريين في اللغة الذين أُخْلِصُوا ونُقُّوا من كل عيب؛ وكذلك الحُواَّرَى من الدقيق سمي به لأَنه يُنَقَّى من لُباب البُرِّ؛ قال: وتأْويله في الناس الذي قد روجع في اختِياره مرة بعد مرة فوجد نَقِيّاً من العيوب. قال: وأَصل التَّحْوِيرِ في اللغة من حارَ يَحُورُ، وهو الرجوع. والتَّحْوِيرُ: الترجيع، قال: فهذا تأْويله، والله أَعلم. ابن سيده: وكل مُبالِغٍ في نُصْرَةِ آخر حوَارِيٌّ، وخص بعضهم به أَنصار الأَنبياء، عليهم السلام .. وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ: وفي هذا أبلغ دليل على أن الدين واحد من آدم عليه السلام الى قيام الساعة .. وهو الإسلام دين التوحيد الخالص .. أي عبادة الله وحده لا شريك له ولا زوجة له ولا ولد ولا يحده المكان ولا الزمان لأنه هو الذي خلق المكان والزمان ولا يتحدد بهما وليس كمثله شيء ..
((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (112).)) .. والمشهور في المَأْدُبة ضم الدال، وأَجاز بعضهم الفتح، وقال: هي بالفتح مَفْعَلة ٌمِن الأَدَبِ. قال سيبويه: قالوا المَأْدَبةُ كما قالوا المَدْعاةُ. وقيل: المَأْدَبةُ من الأَدَبِ. وفي الحديث عن ابن سعود: إِنَّ هذا القرآنَ مَأْدَبةُ اللّه في الأَرض فتَعَلَّموا من مَأْدَبَتِه، يعني مَدْعاتَه. قال أَبو عبيد: يقال مَأْدُبة ٌومَأْدَبةٌ، فمن قال مَأْدُبةٌ أَراد به الصَّنِيع يَصْنَعه الرجل، فيَدْعُو إِليه الناسَ؛ يقال منه: أَدَبْتُ على القوم آدِبُ أَدْباً، ورجل آدِبٌ. قال أَبو عبيد: وتأْويل الحديث أَنه شَبَّه القرآن بصَنِيعٍ صَنَعَه اللّه للناس لهم فيه خيرٌ ومنافِعُ ثم دعاهم إليه؛ ومن قال مَأْدَبة: جعَله مَفْعَلةً من الأَدَبِ. وكان الأَحمر يجعلهما لغتين مَأْدُبةً ومَأْدَبةً بمعنى واحد. قال أَبو عبيد: ولم أَسمع أحداً يقول هذا غيره؛ قال: والتفسير الأَول أَعجبُ إِليّ. وقال أَبو زيد: آدَبْتُ أُودِبُ إِيداباً، وأَدَبْتُ آدِبُ أَدْباً، والمَأْدُبةُ: الطعامُ، فُرِقَ بينها وبين المَأْدَبةِ الأَدَبِ والأَدْبُ: مصدر قولك أَدَبَ القومَ يَأْدِبُهُم، بالكسر، أَدْباً، إِذ ادعاهم إِلى طعامِه .. والمائدة: خوان الطعام ..
((قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ (113).)) .. مِنْ الشَّاهِدِينَ: شهد المجلس: حضره ..
((قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114).)) .. لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا: قال العلماء: أنزل الله العزيز القدير عليهم مائدة يوم الأحد .. ولذلك جعلوه عيدا لهم .. والعيد من العود أي رجوع والتكرار .. حتى وإن كان كل يوم .. فمعنى العيد من الرجوع .. وليس مقصورا على مجيئه مرة في السنة كما قد يتبادر إلى الأذهان .. أما ما أنزله الله إليهم فهو خبز وسمك .. فكانوا يأكلون مجموعات مجموعات .. حتى شبعوا وبقي الطعام وذلك من بركة الطعام وتكثيره بإذن الله القدير .. لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا: أي يأكل منها الأول والآخر الحاضر منهم .. ويشبعون على السواء ..
((قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ (115).)) .. فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ: الكُفْرُ: نقيض الإِيمان؛ آمنَّا بالله وكَفَرْنا بالطاغوت؛ كَفَرَ با يَكْفُر كُفْراً وكُفُوراً وكُفْراناً. ويقال لأَهل دار الحرب: قد كَفَرُوا أَي عَصَوْا وامتنعوا. والكُفْرُ: كُفْرُ النعمة، وهو