((قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95).)) .. فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا: المِلَّة: الدين كملَّةِ الإِسلام والنَّصرانية واليهودية، وقيل: هي مُعْظم الدين، وجملة ما يجيء به الرسل. وتملَّل وامتلَّ: دخل في المِلَّة. وفي التنزيل العزيز: حتى تَتَّبِع مِلَّتهم؛ قال أَبو إِسحق: المِلة في اللغة سُنَّتُهم وطريقهم ومن هذا أُخذ المَلَّة أَي الموضع الذي يختبزُ فيه لأَنه يؤثَّر في مكانها كما يؤثَّر في الطريق، قال: وكلام العرب إِذا اتفَق لفظُه فأَكثره مُشتق بعضُه من بعض. قال أَبو منصور: ومما يؤيد قولَه قولُهم مُمَلٌّ أَي مسلوك معلوم .. مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا: والحَنِيفُ: المُسْلِمُ الذي يَتَحَنَّفُ عن الأَدْيانِ أَي يَمِيل إلى الحقّ، وقيل: هو الذي يَسْتَقْبِلُ قِبْلةَ البيتِ الحرام على مِلَّةِ إبراهيمَ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقيل: هو المُخْلِصُ، وقيل: هو من أَسلم في أَمر اللّه فلم يَلْتَوِ في شيء، وقيل: كلُّ من أَسلم لأَمر اللّه تعالى ولم يَلْتَوِ، فهو حنيفٌ. أَبو زيد: الحَنيفُ المُسْتَقِيمُ؛ وأَنشد: تَعَلَّمْ أَنْ سَيَهْدِيكُمْ إليْنا طريقٌ، لا يُجُورُ بِكُمْ، حَنِيفُ وقال أَبو عبيدة في قوله عز وجل: قل بَلْ مِلَّةَ إبراهيمَ حَنِيفاً، قال: من كان على دين إبراهيم، فهو حنيف عند العرب، وكان عَبَدَةُ الأَوْثانِ في الجاهلية يقولون: نحن حُنَفاء على دين إبراهيم، فلما جاء الإسلام سَمَّوُا المسلم حنيفاً، وقال الأَخفش: الحنيف المسلم، وكان في الجاهلية يقال مَن اخْتَتَنَ وحج البيت حَنِيفٌ لأَن العرب لم تتمسّك في الجاهلية بشيء من دِينِ إبراهيم غيرِ الخِتان وحَجِّ البيتِ، فكلُّ من اختتن وحج قيل له حنيف، فلما جاء الإسلام تمادَتِ الحَنِيفِيّةُ، فالحَنِيفُ المسلم؛ وقال الزجاج: نصب حَنِيفاً في هذه الآية على الحال، المعنى بل نتبع ملة إبارهيم في حال حنيفيته، ومعنى الحنيفية في اللغة المَيْلُ، والمعنَى أَنَّ إبراهيم حَنَفَ إلى دينِ اللّه ودين الإسلامِ، وإنما أُخذَ الحَنَفُ من قولهم رَجُل أَحْنَفُ ورِجْلٌ حَنْفاء، وهو الذي تَمِيلُّ قدَماه كلُ واحدة إلى أُختها بأَصابعها. الفراء: الحنيف مَن سُنَّته الاختِتان. وروى الأَزهري عن الضحاك في قوله عز وجل: حُنفاء للّه غيرَ مشركين به، قال: حُجَّاجاً، وكذلك قال السدي. ويقال: تَحَنَّفَ فلان إلى الشيء تَحَنُّفاً إذا مال إليه. وقال ابن عرفة في قوله عز وجل: بل ملة إبراهيم حنيفاً، قد قيل: إن الحَنَفَ الاستقامةُ وإنما قيل للمائل الرِّجْلِ أَحنف تفاؤلا ًبالاستقامة. قال أَبو منصور: معنى الحنيفية في الإسلام المَيْلُ إليه والإقامةُ على عَقْدِه. والحَنيف: الصحيح المَيْل إلى الإسلام والثابتُ عليه. الجوهري: الجنيف المسلم وقد سمّي المستقيم بذلك .. وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: أشرك بالله: جعل له شريكا .. والله لا يشارك في ملكه ولا في ذاته ولا في صفاته ..
((إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96).)) .. لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا: البَكُّ: دق العنق. بَكَّ الشيءَ يَبُكُّه بَكاً: خرقه أو فرقه. وبَكَّ فلان يَبُكُّ بَكَّةً أي زحم. وبَكَّ الرجل المرأة إذا جهدها في الجماع. وبَكَّ الشيء يَبُكُّه بَكّاً: رد نَخْوَته ووضَعَهُ. ويقال: بَكَكْت الرجل وضعت منه ورددت نَخْوَته، ذكره ابن بري في ترجمة ركك. وبَكَّ عنقه يَبُكُّها بعكّاً: دقها. وبَكَّةُ: مَكَّةُ، سميت ذلك لأنها كانت تَبُكّ أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم، وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها من كل وجه أي يتزاحمون، وقال يعقوب: بَكَّةُ ما بين جبلي مَكَّة لأن الناس يبكُّ بعضهم بعضاً في الطواف أي يَزْحَمُ؛ حكاه في البدل، وقيل: سميت بَكَّة لأن الناس يبك بعضهم بعضاً في الطرق أي يدفع، وقال الزجاج في قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببَكَّة مباركاً، قيل: إن بَكَّة موضع البيت وسائر ما حوله مَكَّة، قال للذي ببَكَّة، فأما اشتقاقه في اللغة فيصلح أن يكون الاسم اشتق من بَكَّ الناسُ بعضهم بعضاً في الطواف أي دفع بعضهم بعضاً، وقيل: بَكة اسم بطن مَكَّة سميت بذلك لازدحام الناس. وفي حديث مجاهد: من أسماء مَكَّة بَكَّةُ، قيل: بَكَّة موضع البيت ومكةُ سائر البلد، وقيل: هما اسما البلدة، والباء والميم يتعاقبان. وبَك الشيءَ: فسخه، ومنه أُخذت بَكَّةُ .. وواضح من السياق ان الكعبة المشرفة هي ((أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس)) .. قال ((للناس)) .. ولم يقل لزيد أو عمرو .. وقال العلماء إن أول من طاف بها آدم عليه السلام .. واندثرت بعد طوفان نوح .. وأن الله أرى مكانها لإبراهيم عليه السلام الذي رفع قواعدها .. وما دام قد رفع قواعدها .. فمعنى ذلك أن أسسها كانت موجودة .. بل معلومة .. وان دور إبراهيم كان الإحياء .. والتواصل لرحلة الإيمان والتوحيد في الأرض ..
((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (97).)) .. من آياته الصفا والمروة .. من آياته أن الطائر لا يعلو البيت ولا يمر عليه .. من آياته الأمن والأمان لكل من دخل الحرم المكي .. من آياته مقام إبراهيم عليه