((بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) .. )) .. الجوهري: بلى جواب للتحقيق يوجب ما يقال لك لأَنها ترك للنفي، وهي حرف لأَنها نقيضة لا، قال سيبويه: ليس بلى ونعم اسمين، وقال: بلْ مخففٌ حرفٌ، يعطف بها الحرف الثاني على الأَول فيلزمه مثل إعرابه، وهو الإضراب عن الأَول للثاني، وقوله عز وجل: بَلَى قد جاءتك آياتي؛ جاء ببلى التي هي معقودة بالجحد، وإن لم يكن في الكلام لفظ جحد، لأَن قوله تعالى: لو أَن الله هداني؛ في قوّة الجحد كأَنه قال ما هُدِيتُ، فقيل بلى قد جاءتك آياتي؛ قال ابن
سيده: وهذا محمول على الواو لأَن الواو أَظهر هنا من الياء، فحملت ما لم تظهر فيه عى ما ظهرت فيه؛ قال: وقد قيل إن الإمالة جائزة في بلى، فإذا كان ذلك فهو من الياء .. ابن الأَثير: في أَسماء الله تعالى البَصِيرُ، هو الذي يشاهد الأَشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحة، والبَصَرُ عبارة في حقه عن الصفة
التي ينكشف بها كمالُ نعوت المُبْصَراتِ. قال أَبو إسحق: أَعْلَمَ اللهُ أَنه ُيُدْرِك الأَبصارَ وفي هذا الإِعلام دليل أَن خلقه لا يدركون الأَبصارَ أَي لا يعرفون كيف حقيقة البَصَرَ وما الشيء الذي به صار الإِنسان يُبْصِرُ من عينيه دون أَن يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أَعضائه، فَأَعْلَم أَن خَلْقاً من خلقه لا يُدْرِك المخلوقون كُنْهَهُ ولا يُحيطون بعلمه، فكيف به تعالى والأَبصار لا تحيط به وهو اللطيف الخبير ..
((فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) .. )) .. والشَّفَقُ: بقية ضوء الشمس وحمرتُها في أَول الليل تُرَى في المغرب إلى صلاة العشاء. والشَّفَق: النهار أَيضاً؛ عن الزجاج، وقد فسر بهما جميعاً قوله تعالى: فلا أُقْسِمُ بالشَّفَق. وقال الخليل: الشَّفَقُ الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الأخيرة، فإذا ذهب
قيل غابَ الشَّفَق، وكان بعض الفقهاء يقول: الشَّفَق البياض لأن الحمرة تذهب إذا أَظلمت، وإنما الشَّفَق البياضُ الذي إذا ذهب صُلِّيَت العشاءُ الأَخيرة ..
((وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) .. )) .. قال شمر: وأَهل الغرب يسمون الوَسْق الوِقْر، وهي الأَوْساق والوُسُوق. وكل شيء حملته، فقد وَسَقْته ووَسَقَت الأَتان إذا حلت ولداً في بطنها ووَسَقَت الناقةُ والشاةُ وَسْقاً ووُسوقاً، وهي واسِقٌ: لَقِحَتْ، والوُسُوق: ما دخل فيه الليل وما ضم. وقد وَسَقَ الليلُ واتَّسَقَ؛ وكل ما انضم، فقد اتَّسَق .. وقال أَبو عبيدة: وما وَسَقَ أَي وما جمع من الجبال والبحار والأشجار كأنه جمعها بأَن طلع عليها كلِّها، فإذا جَلَّلَ الليلُ الجبال والأَشجار والبحار والأَرض فاجتمعت له فقد وَسَقَها .. ووَسَقْت الشيءَ: جمعته وحملته. والوَسْق: ضم الشيء إلى الشيء. وفي حديث أُحُد: اسْتَوسِقُوا كما يَسْتَوْسِق جُرْبُ الغنم أَي استجمعوا وانضموا ..
((وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) .. )) .. واتَّساقُ القمر: امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة وأَربع عشرة، وقال الفراء: إلى ست عشرة فيهن امتلاؤه واتِّسَاقه ..
((لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) .. )) .. الطَّبَقُ غطاء كل شيء، والجمع أَطْباق، وقد أَطْبَقَه وطَبَّقَه
انْطَبَقَ وتَطَبَّقَ: غَطَّاه وجعله مُطَبَّقاً؛ ومنه قولهم: لو تَطَبَّقَت السماء على الأَرض ما فعلت كذا. وفي الحديث حِجابُه النُّور ُلو كُشِفَ طَبَقُه لأَحْرَقت سُبحاتُ وَجهِه كلَّ شيء أَدّرَكه بصرُه؛ الطَّبَقُ: كلُّ غطاء لازم على الشيء .. والمعنى مراحل حياة الإنسان ومآله في الدنيا والآخرة بحسب أعماله ونيته وعبادته وإخلاصه .. جاء في صحيح البخاري:
حدثنا سعيد بن النضر: أخبرنا هشيم: أخبرنا أبو بشر جعفر بن إياس عن مجاهد قال: قال ابن عباس: {لتركبن طبقا عن طبق)) حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم.
((فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20).)). آمن به إيمانا صدقه ووثق به .. الإيمان التصديق ضد الكفر ..
((وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ (21).)) .. أَبو بكر: سجد إذا انحنى وتطامن إِلى الأَرض.
وأَسجَدَ الرجلُ: طأْطأَ رأْسه وانحنى، والإِسجادُ: إِدامة النظر مع سكون؛ وفي الصحاح: إِدامة النظر وإِمراض ُالأَجفان؛ وسجد: خضع؛ ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأَرض ولا خضوع أَعظم منه. والاسم السجدة، بالكسر، وسورة السجدة، بالفتح. وكل من ذل وخضع لما أُمر به، فقد سجد ..
((بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23).)) .. الوَعْيُ: حِفْظ القلبِ الشيءَ. وعَى الشيء والحديث يَعِيه وَعْياً وأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، وفي حديث أَبي أُمامة: لا يُعَذِّبُ اللهُ قَلْباً
وَعَى القُرآنَ؛ قال ابن الأَثير: أَي عقَلَه إِيماناً به وعَمَلاً، الأَزهري عن الفراء في قوله تعالى: والله أَعلم بما