تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يخبر الله سبحانه وتعالى عن أحوال يوم القيامة كي يثوب الناس إلى رشدهم .. وكي لا تبقى حجة لمحتج .. فيؤمن من يؤمن عن بينه .. ويكفر من يكفر عن بينة .. ويقدم القيامة كحقيقة ثابتة لا محيد عنها ولا مهرب منها إلا إليها .. جعلها الله للحساب والجزاء من جنس العمل:

((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1).)) .. الشَّقُّ: مصدر قولك شَقَقْت العُود شَقّاً والشَّقُّ: الصَّدْع البائن، وقيل: غير البائن، وقيل: هو الصدع عامة ..

((وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2).)) .. الحَقُّ: نقيض الباطل، وجمعه حُقوقٌ وحِقاقٌ، وليس له بِناء أدنى عدَد. وفي حديث التلبية: لبَّيْك حَقّاً حقّاً أي غير باطل، وهو مصدر مؤكد لغيره أي أنه أكََّد به معنى ألزَم طاعتَك الذي دلّ عليه لبيك، وحَقَّ الأَمرُ يَحِقُّ ويَحُقّ ُحَقّاً وحُقوقاً: صار حَقّاً وثَبت؛ قال الأَزهري: معناه وجَب يَجِب وجُوباً، وحَقَّ عليه القولُ وأحْقَقْتُه .. وحقَّه وحَقَّقه: صدَّقه؛ ويَحُقُّ عليك أن تفعل كذا: يجب، والكسر لغة، ويَحُقُّ لك أن تفعل ويَحُقُّ لك تَفْعل؛ وقوله تعالى: وأَذِنَت لربِها وحُقَّت؛ أَي وحُقَّ لها أنَ تفعل. ومعنى قول من قال حَقَّعليك أَن تفعل وجَب عليك ..

((وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3).)) .. اختفت جبالها ومرتفعاتها .. وأصبح مستوية ..

((وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4).)) .. ألقت ما فيها من أموات وتخلت عما في باطنها من أسرار ..

((وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5).)) .. وأَذِنَ له في الشيءِ إِذْناً: أَباحَهُ له. واسْتَأْذَنَه: طَلَب منه الإذْنَ. وأَذِن َله عليه: أَخَذَ له منه الإذْنَ. .. وأَذِنَ له أَذَناً: اسْتَمَعَ؛ وقوله عز وجل: وأَذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ؛ أَي اسْتَمعَتْ ..

((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6).)) .. الكَدْح: العمل والسعيُ والكسبُ والخَدْشُ. والكَدْحُ: عمل الإِنسان لنفسه من خير أَو شر. كَدَحَ يَكْدَحُ كَدْحاً وكَدَحَ لأَهله كَدْحاً: وهو اكتسابه بمشقة الأَزهري: يَكْدَحُ لنفسه بمعنى يسعى لنفسه؛ ومنه قوله تعالى: إِنك كادِحٌ إِلى ربك كَدْحاً أَي ناصِبٌ إِلى ربك نَصْباً؛ وقال الجوهري: أَي تسعى. قال أَبو إِسحق: الكَدْحُ في اللغة السَّعْيُ والحِرْصُ والدُّؤُوبُ في العمل في باب الدنيا وباب الآخرة ..

((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9).)) .. أي أصحاب السعادة في الآخرة .. يعطيهم اله كتابهم بيمينهم من اليمن والبركة والتوفيق .. ويطلعهم على أعمالهم .. ويسترهم بستره ويتجاوز عن أخطائهم .. وبالتالي يعودون إلى أهله من الآخرة في حالة فرح وسرور ..

((وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11).)) .. هذا النوع شقي في الآخرة التي لا شك فيها إطلاقا .. لأن الأغلال التي سيطوق بها في عنقها تجعل يده من وراء ظهره وبالتالي فإنه يأخذ صحيفة أعماله من وراء ظهره لأنه مقيد بالسلاسل .. والتَّبْرُ: الحَبْسُ. وقوله تعالى: وإِنِّي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً؛ قال الفرّاء: أَي مغلوباً ممنوعاً من الخير؛ ابن الأَعرابي: المثبور الملعون المطرود المعذب. وثَبَرَهُ عن كذا يَثْبُرُه، بالضم، ثَبْراً أَي حبسه؛ والعرب تقول: ما ثَبَرَك عن هذا أَي ما منعك منه وما صرفك عنه؟ وقال مجاهد: مَثْبُوراً أَي هالكاً. والتُّبُورُ: الهلاك والخسران والويل ..

((وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13).)) .. ويقال: صَلَيْتُ الرَّجُلَ ناراً إذا أَدْخَلْتَه النارَ وجَعَلْتَه يَصْلاهَا، فإن أَلْقَيْتَه فيها إلْقاءً كأَنَّكَ تُرِيدُ الإحْراقَ قُلت أَصْلَيْته، وصَلَّى العَصَا على النارِ وتَصَلاَّها: لَوَّحَها وأَدارَها على النارِ ليُقَوِّمَها ويُلَيِّنَها .. سروره في الدنيا لم يكن على حق .. بل بالباطل .. وبالكفر .. وبالسخرية من أهل الإيمان .. وبمحاربة الدين وأهله .. متجاهلا القيامة والبعث والجزاء ..

((إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) .. )) .. الحَوْرُ: الرجوع عن الشيء وإِلى الشيء، حارَ إِلى الشيء وعنه حَوْراً ومَحاراً ومَحارَةً وحُؤُورواً: رجع عنه وإِليه؛ والحَوْرُ: الرجوع وحارَ عِمامَتَهُ إِذا نَقَضَها .. أي حسب أنه لن يبعث ولن يجازى بأعماله .. فإذا هو يوم القيامة يواجه مصيره المحتوم ..

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٥٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٥٧٧