صدق الله العظيم
(سورة النازعات)
* التحليل:
من مصائب الإنسان الذي لا تنتهي مصائبه في الحياة الدنيا ولا في الآخرة إلا من خشي الله واستقام على الطريقة التي ارتضاها لعباده , انه أي الإنسان يظن أنه وحده في هذه الحياة وفي هذا الكون .. إنه يحكم على الأشياء أحكاما كاسحة من خلال عقله القاصر المقصر في فهم الأمور الغيبية .. والتي هو مطالب بالتصديق بها دون قيد أو شرط .. وأن يشغل عقله فيما يتعلق بشؤون معاشه وفق منهج الإسلام وعيا وعملا وقولا وفعلا ونية .. إن الكافر يحكم على الأشياء من خلال النظرة المادية المحدودة مكانا وزمانا وطاقة وإمكانات لا يتجاوزها .. بينما حقائق الروح لا يحدها مكان ولا زمان .. وحقائق البعث والجزاء لا يدركها عقل .. وبالتالي كان القرآن الكريم مائدة الله في الأَرض ينهل منها الجميع حبا ومعرفة وحكمة ويجد فيها الجميع الطريقة المثلى للعيش والتعايش وفق منهج واضح متسق الأبعاد لا لبس فيه ولا التباس .. سورة ((النازعات)) التي نحن بصددها جاءت في هذا النسق العجيب والفريد والمدهش لتقدم جزءا من حقيقة ما يجري أمام عيني كل إنسان إلى قيام الساعة دون أن يحس الإنسان ودون أن يعي .. ودون أن يأخذ ذلك في عين الاعتبار ..
إن الإنسان يعيش امتحان الحياة محاطا بالملائكة التي تسجل عليه أفعاله وأقواله وحتى نيته .. ويحشر الناس على نياتهم .. ولكن الله أقسم بأنواع من الملائكة .. ولكن ما الضروب التي تقدمها السورة المباركة للملائكة المكلفين بإنجاز مهام محددة في الأرض؟:
((وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) ... )) ... أقسم عز وجل بنوع من الملائكة تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا أليما .. يقال: فلان يَنْزِعُ نَزْعاً إِذا كان في السِّياقِ عند الموْتِ، وكذلك هو يَسُوقُ سَوْقاً، وقوله تعالى: والنازِعاتِ غَرْقاً والناشِطاتِ نَشْطاً؛ قال الفراء: تَنْزِعُ الأَنْفُس من صدورِ الكفَّارِ كما يُغْرِقُ النازِعُ في القوْسِ إِذا جَذَبَ الوَتَرَ، وقيل في التفسير: يعين به الملائكةَ تَنْزِعُ رُوحَ الكافر وتَنْشِطُه فيَشْتَدُّ عليه أَمرُ خروجِ رُوحِه ..
((وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2).)). هي الملائكة التي تنزع أرواح المؤمنين بكل سهولة ويسر .. ولا تعذبهم لأنهم مؤمنون .. قال الليث نشط الإنسان يَنْشَط نَشاطاً، فهو نَشِيط طيّب النفْس للعمل، والنعت ناشِطٌ، وتَنَشَّط لأَمر كذا. وفي حديث عُبادَة: بايَعْتُ رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، على المَنْشَطِ والمَكْره؛ المَنْشَطُ مَفْعَل من النَّشاط وهو الأَمر الذي تنْشَط له وتَخِفُّ إِليه وتُؤثر فعله وهو مصدر بمعنى النشاط. ورجل نَشِيط ومُنْشِطٌ: نَشِطَ دوابُّه وأَهلُه ..
جاء في كنز العمال:
عن الحارث بن خزرج الأنصاري عن أبيه قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال: يا ملك الموت! ارفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال ملك الموت: طب نفسا وقر عينا، واعلم أني بكل مؤمن رفيق، واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم فإذا صرخ صارخ من أهله قمت في الدار ومعي روحه فقلت: ما هذا الصارخ؟ والله ما ظلمناه ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره وما لنا في قبضه من ذنب، وإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا، وإن تحزنوا وتسخطوا تأثموا وتؤزروا، ما لكم عندنا من عتبي ولكن لنا عندكم بعد عودة وعودة، فالحذر الحذر! وما من أهل بيت - يا محمد - شعر ولا مدر، بر ولا بحر، سهل ولا جبل إلا أنا في كل يوم وليلة حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو أذن بقبضها. قال جعفر: بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا نظر عند الموت ممن كان يحافظ على الصلوات دنا منه ملك الموت ودفع عنه الشيطان وتلقنه الملائكة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في ذلك الحال العظيم.