ترتيلاً؛ قال: بَيِّنْه تبييناً؛ وقال أَبو إسحق: والتبيين لا يتم بأَن يَعْجَل في القراءة، وإِنما يتم التبيين بأَن يُبَيِّن جميع الحروف ويُوفِّيها حقها من الإِشباع؛ وقال الضحاك: انْبِذْه حرفاً حرفاً. وفي صفة قراءة النبي، صلى الله عليه وسلم: كان يُرَتِّل آية آية؛ ترتيلُ القراءة: التأَني فيها والتّمهُّلُ وتبيين الحروف والحركات تشبيهاً بالثغر المُرَتَّلِ، وهو المُشَبَّه بنَوْر الأُقْحُوان، يقال رَتَّلَ القراءة وتَرَتَّل فيها. وقوله عز وجل: ورَتَّلْناه ترتيلاً، أَي أَنزلناه على الترتيل، وهو ضد العجلة والتمكُّث فيه؛ هذا قول الزجاج. وترتّل في الكلام: تَرَسَّل، وهو يترتل في كلامه ويترسل. والرَّتَلُ والرَّتِلُ: الطيِّب من كل شيء. وما رتل بين الرَّتَل: بارد؛ كلاهما عن كراع ..
((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5).)) .. قَوْلاً ثَقِيلاً: أي إنه ثقيل على المنافقين .. بما فيه من الأعباء والتكاليف والحلال والحرام والأحكام النورانية السامقة التي جاء في كتاب الله العزيز .. إنها الأمانة .. أمانة الدين والوعي والإستقامة .. والتوحيد .. ثقلت في السماوات والأرض .. لا يتحملها إلا من آمن به .. وأراد الله له السعادة في الدارين ..
((إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6).)) .. ونَشَأَ الليلُ: ارتَفَع. وفي التنزيل العزيز: إِنَّ ناشِئةَ الليل هي أَشَدُّ وطْأً وأَقْوَمُ قِيلاً. قيل: هي أَوَّل ساعةٍ، وقيل: الناشِئة ُوالنَّشيئةُ إِذا نِمْتَ من أَوَّلِ الليلِ نَوْمةً ثمَّ قمتَ، ومنه ناشِئة ُالليل. وقيل: ما يَنْشَأُ في الليل من الطاعات. والناشِئةُ: أَوَّلُ النهارِ والليلِ. أَبو عبيدة: ناشِئةُ الليلِ ساعاتُه، وهي آناءُ الليل ِناشِئةٌ بعد ناشِئةٍ. وقال الزجاج: ناشِئةُ الليلِ ساعاتُ الليلِ كلُّها، ما نَشَأَ منه أَي ما حَدَثَ، فهو ناشِئَةٌ. قال أَبو منصور: ناشِئةُ الليلِ قِيامُ الليلِ، مصدر جاءَ على فاعِلةٍ، وهو بمعنى النَّشْءِ، مثلُ العافِية بمعنى العَفْوِ. والعاقِبةِ بمعنى العَقْبِ، والخاتِمةِ بمعنى الخَتْمِ. وقيل: ناشِئةُ الليل أَوَّلُه، وقيل: كلُّه ناشئةٌ متى قمتَ، فقد نَشَأْتَ ..
((إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً (7).)) .. والسَّبْحُ: الفَراغُ. وقوله تعالى: إِنَّ لك في النهار سَبْحاً طويلاً؛ إِنما يعني به فراغاً طويلاً وتَصَرُّفاً؛ وقال الليث: معناه فراغاً للنوم؛ وقال أَبو عبيدة: مُنْقَلَباً طويلاً؛ وقال المُؤَرِّجُ: هو الفَراغ والجَيئَة والذهاب؛ قال أَبو الدُّقَيْش: ويكون السَّبْحُ أَيضاً فراغاً بالليل؛ وقال الفراء: يقول لك في النهار ما تقضي حوائجك؛ قال أَبو إِسحق: من قرأ َسَبْخاً فمعناه قريب من السَّبْح، وقال ابن الأَعرابي: من قرأَ سَبْحاً فمعناه اضطراباً ومعاشاً، ومن قرأَ سَبْخاً أَراد راحة وتخفيفاً
للأَبدان. قال ابنُ الفَرَج: سمعت أَبا الجَهْم الجَعْفَرِيِّ يقول: سَبَحْتُ في الأَرض وسَبَخْتُ فيها إِذا تباعدت فيها؛ ومنه قوله تعالى: وكلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُون أَي يَجْرُونَ، ولم يقل تَسْبَحُ لأَنه وصفها بفعل من يعقل؛ وكذلك قوله: والسَّابحاتِ سَبْحاً؛ هي النجوم تَسْبَحُ في الفَلَكِ أَي تذهب فيها بَسْطاً كما يَسْبَحُ السابحُ في الماء سَبْحاً؛ وكذلك السابح من الخيل يمدّ يديه في الجري سَبْحاً ..
((وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8).)) .. وتَبَتَّلَ إِلى الله تعالى: انقطع وأَخلص. وفي التنزيل: وتَبَتّل إِليه تبتيلاً؛ جاء المصدر فيه على غير طريق الفعل، وله نظائر، ومعناه أَخْلِصْ له إِخْلاصاً. والتَّبَتُّلُ: الانقطاع عن الدنيا إِلى الله تعالى، وكذلك التبتيل. يقال للعابد إِذا ترك كل شيء وأَقبل على العبادة: قد تَبَتَّل أَي قطع كُلَّ شيء إِلا أَمْرَ الله وطاعتَه. وقال أَبو إِسحق: وتَبَتَّلْ إِليه، أَي انقطِعْ إِليه في العبادة؛ وكذلك صدقة بَتْلَة أَي مُنْقَطِعة من مال المتصدّق بها خارجة إِلى سبيل الله؛ والأَصل في تبتل أَن
تقول تبتلت تبتلاً، فتبتيلاً محمول على معنىى بتل إليه تبتيلاً. وانْبَتَل، فهو مُنْبَتِل أَي انقطع، وهو مثل المُنْبَتِّ ..
((رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9).)) .. في أَسماء الله تعالى الوَكِيلُ: هو المقيم الكفيل بأَرزاق العباد، وحقيقته أَنه يستقلُّ بأَمر المَوْكول إِليه. وفي التنزيل العزيز: أَن لا تَتَّخِذوا من دُوني وكِيلاً؛ قال الفراء: يقال رَبًّا ويقال كافِياً؛ قال ابن الأَنباري: وقيل الوَكِيلُ الحافظ، وقال أَبو إِسحق: الوَكِيلُ في صفة الله تعالى الذي توَكَّل بالقيام بجميع ما خَلَق، وقال بعضهم: الوَكِيلُ الكفيل ونِعْمَ الكَفِيل بأَرزاقِنا، وقال في قولهم حَسْبُنا الله ونِعْم الوَكِيلُ: كافِينا اللهُ ونِعْمَ الكافي، كقولك: رازقنا اللهُ ونِعْم
الرازق ..