يدعى جَدًّا، ما قالت الذي اخبر الله عنه في هذه السورة عنها؛ وفي حديث الدعاء: تبارك اسمك وتعالى جَدُّك أَي علا جلالك وعظمتك. والجَدُّ: الحظ والسعادة والغنى: وفي حديث أَنس: أَنه كان الرجل منا إِذا حفظ البقرة وآل عمران جَدّ َفينا أَي عظم في أَعيننا وجلَّ قدره فينا وصار ذا جَدّ، وخص بعضهم بالجَدّ عظمة الله عزّ وجلّ، وقول أَنس هذا يردّ ذلك لأَنه قد أَوقعه على الرجل ..
وبالتالي نزهت الجن الله عن الشريك وعن الزوج والولد .. واقتنعوا أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له وعظموه ووقروه ولم ينسبوا له ما ينسبه الكفار والمشركون والمنافقون من النقصان .. تعالى الله خالقنا عن ذلك علوا كبيرا ..
((وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4).)) .. السَّفَهُ والسَّفاهُ والسَّفاهة: خِفَّةُ الحِلْم، وقيل: نقيض الحِلْم، وأَصله الخفة والحركة، وقيل: الجهل وهو قريب بعضه من بعض .. وقولهم: سَفِهَ نَفْسَهُ وغَبِنَ رَأْيَه وبَطِرَ عَيْشَه وأَلِم َبَطْنَه ووَفِقَ أَمْرَه ورَشِدَ أَمْرَه، كان الأَصلُ سَفِهَتْ نفسُ زيد ورَشِدَ أَمْرُه، فلما حُوِّل الفعل إلى الرجل انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه، لأَنه صار في معنى سَفَّهَ نَفْسَه .. وقال الزجاج: القول الجيد عندي في هذا أَن سَفِهَ في موضع جَهِلَ، والمعنى، والله أَعلم، إلا مَنْ جَهِل نَفْسَه أَي لم يُفَكِّرْ في نفسه فوضع سَفِهَ في موضع جَهِلَ، وقال بعض أَهل اللغة: أَصلُ السَّفَهِ الخُُِفَّةُ، ومعنى السفيه الخفيفُ العقل، ويقال: سَفِهَ فلانٌ رأْيه إذا جهله وكان رأْيه مضطرباً لا استقامة له. والسَّفيه: الجاهل. ورواه الزمخشري: من سَفَهِ الحَقِّ، على أَنه اسم مضاف إلى الحق .. ((يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)) .. والشَّطاطُ: البُعْدُ. شَطَّتْ دارُه تَشُطُّ وتَشِطُّ شَطّاً وشُطوطاً: بَعُدت. وكل بَعِيدٍ شاطٌّ؛ والشَّطَطُ: مُجاوَزةُ القَدْرِ في بيع أَو طلَب أَو احتكام أَو غير ذلك من كل شيءٍ، مشتق منه .. وشَطّ في سِلْعَتِه وأَشطَّ: جاوَزَ القَدْرَ وتباعدَ عن الحق. وشَط َّعليه في حُكْمِه يَشِطُّ شَطَطاً واشْتَطَّ وأَشَطَّ: جارَ في قضيَّتِه. وفي التنزيل: ولا تُشْطِطْ، وقرئَ: ولا تَشْطُطْ ولا تُشَطِّطْ، ويجوز في العربية ولا تَشْطِطْ، ومعناها كلّها لا تَبْعُدْ عن الحقّ ..
وبالتالي نستنتج أن الجن منهم المؤمن ومنهم الكافر .. وأنهم كانوا يتبعون قبل نزول القرآن الكريم .. شياطين ومردة حرفوا لهم الدين .. وأعطوهم مبادئ مزيفة وقيما غير صالحة .. جعلتهم ينحرفون عن نهج الله القويم .. وبالتالي فإن القرآن الكريم لم يكن رحمة للناس فقط إلى قيام الساعة بل وكذلك للجن الذين آمن منهم من آمن عن وعي واقتناع بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم بالحجة والدليل المادي الملموس ..
((وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5).)) .. والمعنى صدق الجن أن الكذب لا يصدر عن أناس من الجن وكذا من الإنس .. حرفوا الدين وكذبوا بالبعث والجزاء .. وظنهم ذاك أرداهم ..
((وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) .. )) .. عاذ به يَعُوذُ عَوْذاً وعِياذاً ومَعاذاً: لاذ فيه ولجأ َإِليه واعتصم .. فَزَادُوهُمْ رَهَقًا والرَّهَقُ: جهل في الإِنسان وخِفَّة في عقله؛
تقول: به رهق ورجل مُرَهَّقٌ: موصوف بذلك ولا فِعل له. والمُرَهَّقُ: الفاسِد .. قال الشيباني: فيه رهق أي حِدَّة وخِفَّة. وإِنه لَرَهِقٌ أَي فيه حدّة وسفَه. والرَّهَق: السَّفَه والنُّوكُ. وفي الحديث: حَسْبُكَ من الرَّهَق والجفاء أَن لا يُعرَفَ بيتُك؛ معناه لا تَدْعو الناسُ إِلى بيتك للطعام، أَراد بالرهَق النُّوكَ والحُمق. وفي حديث علي: أَنه وعَظ رجلاً في صُحبة رجل رَهِق ٍأَي فيه خِفَّة وحِدَّة. والرَّهَقُ: التُّهمَةُ. والمُرَهَّقُ: المُتَّهم في دِينه. والرَّهَقُ: الإِثْمُ. والرَّهْقةُ: المرأَةُ الفاجرة. ورَهِقَ فلان فلاناً: تَبِعه فقارَب أَن يَلْحَقه. وأَرْهَقْناهم
الخيْل: أَلحقْناهم إِياها ..
وبالتالي يعلمنا القرآن الكريم أن نحتمي بالله القوي المتين الولي الخبير .. وألا نحتمي بأي مخلوق آخر من إنس أو جن .. لأننا لن نجني من ذلك سوى المتاعب وخسران الدين والدنيا والآخرة .. فالله هو الولي والوكيل .. وأنعم به من ولي ووكيل لكل مؤمن لا يخشى إلا الله ولا يسأل إلا الله ..
((وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7).)) .. والمعنى أن الجن حسبت أن الله لن يبعث برسول لينذر الخلق .. وبالتالي يطرح التساؤل: كيف تؤمن الجن وتكفرون أنتم وهذا الرسول حجة عليكم لأنه بلغكم الأمانة يشهد له بذلك الخلق من إنس وجن وغير ذلك ..
((وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8).)) ..