ولا تُمثَّل بشيء، ويجبُ على العبادِ أن يَعْلَمُوا أنه عظيمٌ كما وصَفَ نفْسه وفَوْقَ ذلك بلا كَيفِيَّةٍ ولا تَحْديدٍ. قال الليث: العَظمةُ التَّعَظُّمُ والنَّخْوةُ والزَّهْوُ؛ قال الأزهري: ولا تُوصَفُ عظمةُ الله بما وصَفَها به الليثُ، وإذا وُصِفَ العبدُ بالعَظمة فهو ذَمٌّ لأن العظمة في الحقيقة لله عز وجل، وأما عَظَمَة ُالعبدِ فكِبْرُه المذمومُ وتَجَبُّره. وفي الحديث: مَنْ تَعَظَّمَ في نفسه لَقِيَ الله، تَبارَك وتعالى، غَضْبانَ؛ التَّعَطُّمُ في النفس: هو الكبرُ والزَّهْوُ والنّخْوةُ ..
((فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لاَ يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80).)) .. يقسم الله سبحانه وتعالى بمواقع النجوم على أساس أن القرآن الكريم نزل منجما وكلف به الملائكة في تنزيله عشرين ليلة وأنزله جبريل عليه السلام على محمد عليه الصلاة والسلام في نيف وعشرين سنة منجما بحسب الأحداث .. فهو قسم بما وقع تنجيمه ويقال لكل ما طلع: قد نَجمَ، وجاء في التفسير أَيضاً أَن النجم نُزول القرآن نَجْماً بعد نَجْمٍ، وكان تَنزل منه الآيةُ والآيتان، وقال أَهل اللغة: النجمُ بمعنى النُّجوم، والنُّجوم تَجمع الكواكب كلها. ابن سيده: والنَّجْمُ الكوكب، وقد خصّ الثرَيا فصار لها علماً .. وكانت العرب في الجاهلية إذا أمطروا قالوا مطرنا بنجم كذا .. وهو قول باطل مردود .. لأن الله هو الرزاق الفتاح العليم المحيط القادر الحكيم .. أثبت صدق القرآن الكريم الذي حفظه في اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الطاهرون من الملائكة .. وحرم لمسه إلا من المؤمنين الموحدين الطاهرين من أرجاس الكفر وحرم لمسه من الكفار .. أثبت له التنزيل على مراحل تكريما لبني آدم ورفعا لشأن القرآن ولشأن من آمن بالقرآن وطبقه وارتضاه منهجا ودستورا من لدن رب العزة الرحمان الرحيم ..
((أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82).)) .. والمُداهَنة والإِدْهانُ: المُصانَعة واللِّين، وقيل: المُداهَنة إِظهارُ خلاف ما يُضمِر. والإدْهانُ: الغِش. ودَهَن الرجلُ إذا نافق. ودَهَن غلامَه إذا ضربه، ودهَنه بالعصا يَدْهُنه دَهْناً: ضربه بها، وهذا كما يقال مسَحَه بالعصا وبالسيف إذا ضربه برِفْق. الجوهري: والمُداهَنة والإِدْهان كالمُصانعة. وقال الفراء: معنى قوله عز وجل: ودّوا لو تدهن فيدهنون، ودُّوا لو تَكْفُر فيكفرون، وقال في قوله: أَفبهذا الحديث أَنتم مُدْهِنون؛ أَي مُكَذِّبون، ويقال: كافرون ... وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ: أي عوض أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله بالعبادة والطاعة .. ترجمون بالغيب .. ولا تعبدون الله ولا تشكرونه .. بل تكذبون بالحق المبين .. وتجحدون النعمة وهي واضحة للعيان لا لبس فيها ولا التباس ..
((فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ (85).)) .. هذا تحد آخر .. لكل كافر ومنافق إلى قيام الساعة ولكل منكر للموت والبعث والجزاء .. والجنة والنار .. هذا شخص يحتضر .. وهو ينظر إليه .. فإذا بلغت الروح الحلقوم .. هل يستطيع أحد منع ذلك؟ .. هل يستطيع أحد مهما كان وأنى كان أن يمنع الموت أو يؤخر الروح عن الصعود؟ .. كلا وألف كلا .. إن الله سبحانه أقرب إلى الميت بعلمه وقدرته من أي مخلوق كان وهو القادر على كل شيء .. يضعف الإنسان في ذلك المقام من نزع الروح .. يضعف المحتضر ويضعف من أحاط به .. ولا يقدرون على فعل شيء لمساعدته فالأمر ليس في أيديهم ويتجاوز إمكاناتهم المحدودة .. والمحدودة أصلا .. فلا حول لهم ولا قوة ولا حول ولا قوة إلا بالله حقا وصدقا .. أنتم محصورون ومؤطرون ومحكومون بالزمان والمكان والطاقة .. والله الذي خلقكم اقرب منكم .. ولكن لا تبصرون .. قدراتكم أعجز من أن تنفد وأعجز من أن تغير .. وأعجز من أن تريكم الحقيقة التي تدمغكم فتبين مدى تهالككم وتهافتكم ..
((فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (87) ... )) .. إن كنتم فعلا غير مقهورين وغير مبعوثين وغير محاسبين .. فأعيدوا الروح إلى جسد المحتضر إن كنتم صادقين .. وأنى لكم ذلك؟ .. إنه التحدي القائم الى الأبد .. لن تستطيعوا .. هذا هو المحك .. وهذا هو الإختبار .. فالله يفعل ما يشاء .. وأنتم مع ذلك تعاندون ولا تعترفون بالحقيقة التي لا تمارى ..
((فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) .. )) ... أي من الذين تقربوا لله سبحانه وتعالى بالطاعة