يوجه السؤال للإنس والجن فبأي نعمة من نعم الله الخلاق العليم تجحدون؟ .. بأي دليل مادي أو عقلي تتنكرون للحق المبين؟ .. وكل شيء يدل على وجود الخالق الواحد الذي لا شريك له؟ وأن القيامة حق .. والجنة حق والنار حق؟ .. لا مجال للإنكار والتهرب؟ .. فالأدلة دامغة والنعم شاملة ولا ينكر إلا من سفه نفسه واستخف بها وأوردها مورد الهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة ..
((تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)./.)). وتَبَارك الله أي بارك الله مثل قاتَلَ وتَقاتَلَ، إلا أن فاعلَ يتعدى وتفاعلَ لا يتعدى. وتَبَرّكْتُ به أي تَيَمَّنْتُ به .. قال الأَزهري: معنى بَرَكة الله عُلُوُّه على كل شيء .. وتباركَ الله: تقدَّس وتنزه وتعالى وتعاظم، لا تكون هذه الصفة لغيره، أي تطَهَّرَ. والقُدْس: الطهر. وسئل أبو العباس عن تفسير تبارَكَ اللهُ فقال: ارتفع. والمُتبارِكُ: المرتفع. وقال الزجاج: تبارَكَ تفاعَلَ من البَرَكة، كذلك يقول أهل اللغة. وروى ابن عباس: ومعنى البَرَكة الكثرة في كل خير، وقال في
موضع آخر: تَبارَكَ تعالى وتعاظم، وقال ابن الأَنباري: تبارَكَ الله أي يُتَبَرَّكُ باسمه في كل أمر. وقال الليث في تفسير تبارَكَ الله: تمجيد وتعظيم. وتبارَكَ بالشيء: تَفاءَل به .. اللهُ الجَليلُ سبحانه ذو الجَلال والإِكرام، جَلَّ جَلال الله، وجَلالُ الله: عظمتُه، ولا يقال الجَلال إِلا لله. والجَلِيل: من صفات الله
تقدس وتعالى .. وفي الحديث: أَلِظُّوا بيا ذا الجَلال والإِكرام؛ قيل: أَراد عَظِّمُوه، وجاء تفسيره في بعض اللغات: أَسْلِمُوا .. وهو سبحانه وتعالى الجَلِيل ُالموصوف بنعوت الجَلال، والحاوي جميعَها، هو الجَلِيلُ المُطْلَق وهو راجع إِلى كمال الصفات، كما أَن الكبير راجع إِلى كمال الذات، والعظيم راجع إِلى كمال الذات والصفات. وجَلَّ الشيءُ يَجِلُّ جَلالا ًوجَلالةً وهو جَلٌّ وجَلِيلٌ وجُلال: عَظُم ..
ونلاحظ تلك الصلة الكبرى بين بداية سورة ((الرحمن)) المباركة ونهايتها .. حيث إن الرحمة تشمل ما فيها من إعجاز وخلق وقدرة .. وكأن الله سبحانه وتعالى يقدم للخلق الدليل العملي الملموس على أنه خلق وأوجد وأبدع من عدم كونا وحياة وإنسا وجنا لامتحان الحياة الأكبر .. وأن المنطلق من الله العزيز الحميد .. وأن المنتهى إليه .. وأن الله محيط بكل شيء بداية ونهاية وعلما وقدرة وتمكينا .. حتى لا يغالط أحد نفسه .. وحتى يراجع كل واع نفسه ويقوم بعملية نقد ذاتية تنتهي بها إلى الإيمان والتسليم لله وعبادته وحده لا شريك له ويمتثل لما أمر ونهى .. ويخشى ذلك اليوم القريب حيث الحساب والجزاء من جنس العمل .. ويبذل قصارى الجهد للعلم والتعلم في كل مجال حلال .. ويبذل من كل إمكاناته الفكرية الأدبية والمادية لنفع الناس .. ابتغاء مرضاة الله .. إن ما يقدمه الله سبحانه وتعالى من خيرات في جنة الخلد يقدم لها ثمنا اسمه الإسلام .. اسمه عبادة الله الواحد .. اسمه الطاعات .. اسمه اجتناب المعاصي .. إن ما يقدمه الله من عذاب لا يخطر على بال في نار الخلد .. يقدم له الله عز وجل ثمنا اسمه الكفر .. اسمه النفاق .. اسمه الإشراك بالله والله لا يشارك في ذاته ولا في ملكه ولا في صفاته .. لكل شيء ثمن وثمن النار هي معصية الله .. والإبتعاد عن الإسلام عن سابقية إضمار وترصد .. مع أن الحق واضح لا لبس فيه ولا التباس .. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقامة على نهج الهدى .. يقدم لنا الخلاق العظيم .. الرحمن الرحيم حقيقتنا كبشر .. وحقيقة الجن .. كجن حتى لا تختلط لدينا القيم والمفاهيم والحقائق .. وهو الله الخالق البارئ المصور .. في الطرف المقابل ينظرنا ويراقبنا ويحيط بنا والقادر علينا والعليم بنا .. أعطانا القدرات والعقل والطاقة والعلم .. وأعطانا حرية الإختيار الواعي المسئول .. وأعطانا القرآن الكريم .. حكم ما بيننا .. وميزان الحق والعدل مع سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كي نمضي بقية عمرنا في طريق النور والخير والسلام حبا في الله المنعم الكريم العليم .. وأملا في مرضاته .. يوم القيامة الذي لا شك فيه إطلاقا ..
*******