يتحدد بهما أصلا .. إن سورة ((الذاريات)) المباركة تؤكد على جماع هذه المفاهيم والقيم .. وتعطي الإنسان الدليل تلو الدليل المادي الملموس والعقلي الرائع .. وتخاطب فيه ذاته وكرامته ونفسه التواقة للحق المبين وللحقيقة التي لا تمارى فيؤمن عن حب ووعي وتوق وشوق إلى الله الواحد القهار .. الذي خلق وأبدع .. وأنعم وأعطى .. والذي هو أرحم بنا من أنفسنا لأنفسنا .. والذي جعل الحياة امتحانا لنا .. واختبارا يجازينا في نهايته عن إحساننا إحسانا وعن الإساءة إساءة .. إن مسالة الإيمان مسألة حيوية وضرورة من ضرورات الإنسان يحتاج إليها أي إلى الإيمان اكثر من حاجته للماء والهواء والطعام .. كي يجد توازنه واتزانه .. وكي يحيا كريما .. وكي يجد الغاية من وجوده ونهايته ومآله ومصيره في الكون والحياة وفي الدنيا والآخرة .. إن الإيمان شرط عين لكل توازن نفسي وفكري ونفسي وجسدي ولكل إنسان .. كي يبدع ويعطي .. وكي يتواصل مع ذاته ومع العائلة ومع المجتمع حبا وأملا وشوقا .. وتطلعا إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى عما يصفون .. فما الذي جاءت به سورة ((الذاريات)) المباركة؟ .. وماذا في تضاعيفها من مفاجآت تترى بلا انتهاء .. ذلك ما ستعرض إليه بالشرح والتحليل فيما يلي بحول الله والله المستعان:
بداية ما معنى الذاريات؟ .. يقسم الله سبحنه وتعالى .. بالذاريات .. والذاريات هي الرياح .. ((((وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) .. )) .. ذَرَت الريح الترابَ وغيرَه تَذْرُوه وتَذْريه ذَرْواً وذَرْيا وأَذْرَتْهُ وذَرَّتْه: أَطارَتْه وسفَتْه وأَذْهَبَتْه، وقيل: حَمَلَتْه فأَثارَتْه وأَذْرَتْه إِذا ذَرَت التُّرابَ وقد ذرا هو نفسُه .. ((فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2).)) .. هي السحب تحمل المطر .. والوِقْرُ: بالكسر: الثِّقْلُ يحمل على ظهر أَو على رأْس. يقال: جاء يحمل وِقْرَه، وقيل: الوِقَرُ الحِمْل الثقيل .. ((فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) .. )) .. هي السفن تمخر عباب الماء .. ((فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4).)) .. هي الملائكة تقسم أمر الله وتنفذ قدره بين الناس والأرض والكون والحياة ولا تعصي له أمرا .. والمعنى أن الله عز وجل يقسم بالريح وما تحمله من لواقح وما تجمعه من سحب وما تنفذ من أوامر .. وبالسحب وما فيها من ماء وخير للناس وبالسفن وكيفية جريانها على الماء .. وما في ذلك من قدرة الله .. وبالملائكة تنفذ أوامر الله في الأَرض والسماء .. على أن ما يأتي به القرآن هو الصدق ولا شيء إلا الصدق من حديث البعث والجزاء وصدق نبوة محمد وصدق خبر الأرض والسماء .. ومن حقيقة هلاك الكافرين في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة ..
ويؤيد ما ذهبنا إليه ما جاء في المستدرك:
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، حدثنا بسام بن عبد الرحمن الصيرفي، حدثنا أبو الطفيل قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قام على المنبر، فقال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي. قال: فقام ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، ((ما الذاريات ذروا)) .. قال: الرياح. قال: فما ﴿الحاملات وقرا﴾؟ قال: السحاب. قال: فما ﴿الجاريات يسرا﴾؟ قال: السفن. قال: فما ﴿المقسمات أمرا﴾؟ قال: الملائكة. قال: فمن ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم﴾ [إبراهيم: 28 - 29 قال: منافقو قريش. هذا حديث صحيح الإسناد ..
لماذا أقسم الله بالرياح والسحب والسفن والملائكة؟ .. الجواب يأتي فورا في سياق سورة ((الذاريات)) الطيبة المباركة:
((إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) .. )) .. الحقيقة التي لا مهرب منها إلا إليها .. يوم البعث والجزاء .. لم تكن الحياة صدفة مقيتة .. ولم يخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان والكون عبثا .. بل لامتحان وهناك يوم بعث وجزاء .. ((وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ)) .. سماه هنا الدين من الدينونة أي الجزاء .. أي الحساب .. ووَقَعَ القولُ والحكْمُ إِذا وجَب يقال لكل آت يُتَوَقَّعُ ..
((وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) .. )) .. الحبك بمعنى الطرق .. فكما ان في الأَرض طرقا .. فإن في السماء التي أبدعها الله طرقا ومنافذ .. من خلق الله الذي أتقن كل شيء .. والحَبِيكةُ: كل طريقة من خُصَلِ الشعر أَو البيضةُ، والجمع حَبِيك وحَبَائِكُ وحُبُك كسَفِينة وسَفِينٍ وسَفائن وسُفُن. الجوهري: الحَبيكة ُالطريقة في الرمل ونحوه. الأَزهري: وحَبِيكُ البيض للرأْس طرائقُ حديدِه .. وحُبُك السماء: طرائقها ..