تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعني أَن المكان لا يَضِلُّ وإِنما أَنت تَضِلُّ عنه، وإِذا سَقَطَت الدراهمُ عنك فقد ضَلَّت عنك، تقول للشيء الزائل عن موضعه: قد أَضْلَلْته، وللشيء الثابت في موضعه إِلا أَنك لم تَهْتَدِ إِليه: ضَلَلْته ..

والإنسان الواعي يربأ بنفسه أن يكون في صف الكفار ظاهرا أو باطنا فيخسر حياته جملة وتفصيلا بهذا المستوى أبرزه الله في مفتتح سورة محمد صلى الله عليه وسلم .. فهناك إذا معادلة واضحة متسقة الأبعاد لا لبس فيها ولا التباس بين أهل الكفر وأهل الإيمان .. أهل الكفر اختاروا طريق الشر .. طريق الباطل .. طريق الظلام .. فأبعدهم الله سبحانه وتعالى عن الخير .. عن التوازن النفسي والفكري والجسدي عن سعادة الآخرة وهي الأهم لأنها الباقية والدائمة .. بينما الطرف المقابل أهل الإيمان اختاروا أيضا طريقهم طريق الإسلام عن وعي واختيار واع مسئول من بعد التفكر والتأمل والإعتبار بدروس الحياة المستمرة الموجودة فيهم وفي الكون والحياة والتي تثبت أن الله حق وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وأن القرآن الكريم حق وأن المسألة جد في جد .. وبالتالي كان مآلهم مختلفا ونتائجهم متناقضة تمام التناقض مع الشق الأول .. ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ... )) ..

آمن به إيمان: صدقه ووثق به .. الإيمان هو التصديق ضد الكفر .. الطرف المقابل قرن الإيمان بالعمل .. ((آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) .. الإيمان وحده غير كاف .. لا بد من العمل .. والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل .. إذا كانوا مطبقين على أنفسهم قبل غيرهم محتوى الإيمان قولا وفعلا ونية واستقامة وكانوا القدوة فعلا عبر كل مكان وزمان إلى قيام الساعة التي لاشك فيها إطلاقا .. بالبذل والعطاء المادي والمعنوي والفكري والعلمي والثقافي وبكل ما عندهم لفائدة الإسلام .. فالإسلام هو دين العمل والبذل والعطاء وليس دين الكلام فقط .. ولا ينتفع بالدين الشخص وحده فقط بل ينفع نفسه وينفع محيطه الكبير والصغير – ((آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) .. في المطلق .. حتى يكون العمل الصالح منطبقا على كل ما ينفع الناس في العلم والثقافة والمجتمع .. كل ما يعود على الناس بالنفع دون محرمات فهو عمل صالح .. ذاك أن القرآن الكريم وهو النور الذي نزل عليه يؤمن به من آمن عن وعي وتصديق كامل لا يداخله الشك في أنه الخير كله والنور كله والسبيل الأقوم نحو الله ونحو السعادة كلها دنيا وآخرة .. يأخذه المؤمن بكل عدل واعتدال نحو التوازن .. نحو البذل .. نحو التطبيق بكل اتساق .. ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... )) .. تسليم كامل وتصديق كامل وعمل مستمر للدنيا والآخرة .. والفرق واضح والبون شاسع بين عمل أهل الكفر وأهل الإيمان .. الذين يرعون الله في كل أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم ونياتهم .. هذا لتسليم وهذا الإنقياد لما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقودهم حتما بما بذلوه من عطاء فكري ومادي وروحي نحو الذات والمجتمع إلى مرضاة الله .. ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ... )) ..

كفر عنهم: كفر الشيء كفرا: ستره وغطاه .. وكلُّ شيء غطى شيئاً، فقد كفَرَه .. أي إن الله سترهم وشملهم برحمته وتجاوز عن سيئاتهم بسبب إيمانهم وتصديقهم وعملهم الصالح .. اختيارهم طريق الإيمان والعمل الصالح كان السبب في جلب رحمة الله .. وأي خير أكبر من هذا أن يمحو الله عنك سيئاتك وأن يشملك برحمته وأن يعطيك من خيرات الدنيا والآخرة إن استقمت على الطريقة التي لا عوج لها؟ .. ((كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ... )) .. البال: الحال والشأْن. وأَمر ذو بالٍ أَي شريفٌ يُحْتَفل له ويُهْتَمُّ به. والبَالُ في غير هذا: القَلْبُ .. ومن أَسْماء النفس البالُ. والبالُ بال

النفس وهو الاكتراث، ومنه اشتق باليَتْ، ولم يَخْطُر ببالي ذلك الأَمر أَي لم يَكْرِثْني ..

إذا أنت تخطو الخطوة الأولى تبرهن فيها عن إيمانك ووعيك وانقيادك وتبذل وتعطي .. وتستقيم على منهج الإسلام .. في المقابل يدلك الله عز وجل إلى أقوم المسالك ويأخذ بيدك ويبدل سيئاتك حسنات .. ويصلح قلبك وداخلك .. فكأنه نور تسير فيه لا تخشى فيه بأسا ولا دركا فأنت في حفظ الله .. وأكرم به من حفظ وأنعم بها من فضائل ربانية يميز بها الله سبحانه وتعالى المجتمع الإسلامي ..

ولكن لماذا فرق الله بين المنطلق والنتائج؟ .. ولماذا أبطل أعمال أهل الكفر؟ .. وزادهم ضلالا وبعدا عن الحق .. في حين أرشد أهل الهدى وأخذ بأيديهم وأصلح قلوبهم وأبدل سيئاتهم حسنات وضمن لهم

تفسير العدل والإعتدال · الصفحة ١٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير العدل والإعتدالص ١٣٤٥