أَبي عبيدة، ثم ذهب يَرُدُّ قولَ الفراء ويقول: لم أَرَ أَحداً يُجيزُ عَشَوْتُ عن الشيء أَعْرَضْتُ عنه، إِنما يقال تَعاشَيْتُ عن الشيء أَي تَغافَلْت عنه كأَني لم أَرَهُ، وكذلك تعامَيْت، قال: وعَشَوْتُ إِلى النار أَي اسْتَدْلَلْت عليها ببَصَرٍ ضعيف. قال الأَزهري: أَغْفَل القُتَيْبي موضعَ الصوابِ واعْتَرَض مع غَفْلَتِه على الفراء يَرُدُّ عليه، فذكرت قوله لأَبَيِّن عُوارَه فلا يَغْتَرَّ به الناظرُ في كتابه. والعرب تقول: عَشَوْتُ إِلى النار أَعْشُو عَشْواً أَي قَصَدتُها مُهْتَدِياً بها، وعَشَوْتُ عنها أَي أَعْرَضْت عنها، فيُفرِّقون بين إِلى وعَنْ موصولَيْن بالفعل. وقال أَبو زيد: يقال عشا فلان إِلى النار يَعْشُو عَشْواً إِذا رأَى ناراً في أَوَّل الليل فيَعْشُو إِليها يَسْتضِيءُ بضَوْئها. وعَشَا الرجلُ إِلى أَهلِه يَعْشُو: وذلك من أَوَّل الليل إِذا عَلِمَ مكانَ أَهلِه فقَصدَ إِليهم. وقال أَبو الهيثم: عَشِيَ الرجلُ يَعْشى إِذا صار أَعْشى لا يُبْصِرُ لَيْلاً .. ((نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)): وقَيَّضَ اللّه فلاناً لفلان: جاءه به وأَتاحَه له. وقَيَّضَ اللّه قَرِيناً: هَيَّأَه وسَبَّبَه من حيث لا يَحْتَسِبُه. وفي التنزيل: وقَيَّضْنا لهم قُرنَاء؛ وفيه: ومَن يَعْشُ عن ذِكر الرحمن نُقَيِّضْ له شَيْطاناً؛ قال الزجاج: أَي نُسَبِّبْ له شيطاناً يجعل اللّه ذلك جَزاءه. وقيضنا لهم قُرناء أَي سبَّبْنا لهم من حيث لم يَحْتَسِبوه، وقال بعضهم: لا يكون قَيَّضَ إِلا في الشرّ، واحتج بقوله تعالى: نقيض له شيطاناً، وقيضنا لهم قرناء .. ((فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)): وقَرَن الشيءَ بالشيءِ وقَرَنَه إِليه يَقْرِنه قَرْناً: شَدَّه إِليه. قُرِّنتِ الأُسارَى بالحبال، شُدِّد للكثرة. والقَرينُ: الأَسير. وفي الحديث: أَنه، عليه السلام، مَرَّ برَجلين مُقترنين فقال: ما بالُ القِران؟ قالا: نذَرْنا، أَي مشدودين أَحدهما إِلى الآخر بحبل. والقَرَنُ، بالتحريك: الحبل الذي يُشدّان به، والجمع نفسه قَرَنٌ أَيضاً ..
((وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37).)) .. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ: الصَّدّ: الإِعْراضُ والصُّدُوف. صَدِّ عنه يَصِدُّ ويَصُدُّ صَدّاً وصُدُوداً: أَعرض. ورجل صادٌّ من قوم صُدَّا .. ويقال: صدّه عن الأَمر يَصُدُّه صَدّاً منعه وصرفه عنه ..
((حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38).)) .. ((حَتَّى إِذَا جَاءَنَا: وقرئ: جاءانا على التثنية أي الإنسان وقرينه الشيطان .. ((قَالَ يَا لَيْتَ)): ليت للتمني والتمني للمستحيل .. ((فَبِئْسَ الْقَرِينُ)): بئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم .. ((الْقَرِينُ)): الصاحب وهو الشيطان الرجيم نعوذ بالله منه دنيا وآخرة ..
((وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39).)) .. وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ:
الظُّلْمُ: وَضْع الشيء في غير موضِعه. ومن أمثال العرب في الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فما ظَلَم؛ قال الأصمعي: ما ظلم: أي ما وضع الشَّبَه في غير مَوْضعه وفي المثل: من اسْترْعَى الذِّئْبَ فقد ظلمَ. وفي حديث ابن زِمْلٍ: لَزِموا الطَّرِيق فلم يَظْلِمُوه أي لم يَعْدِلوا عنه؛ وفي التنزيل العزيز: الذين آمَنُوا ولم يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ؛ قال ابن عباس وجماعةُ أهل التفسير: لم يَخْلِطوا إيمانهم بِشِرْكٍ، ورُوِي ذلك عن حُذَيْفة وابنِ مَسْعود وسَلمانَ، وتأَوّلوا فيه قولَ الله عز وجل: إن الشِّرْك لَظُلْمٌ عَظِيم ..
((أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40).)) .. أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ: وعَمِيَةُ القَلْبِ، على فَعِلة، وقومٌ عَمُون. وفيهم عَمِيَّتُهم أَي جَهْلُهُم، والنِّسْبَة إلى أَعْمَى أَعْمَويٌّ وإلى عَمٍ عَمَوِيٌّ. وقال الله عز وجل: ومَن كان في هذه أَعْمَى فهُو في الآخرة أَعْمَى وأَضَلُّ سبيلاً؛ قال الفراء: عَدَّدَ الله نِعَم الدُّنْيا على المُخاطَبين ثم قال من كان في هذه أَعْمَى، يَعْني في نِعَم الدُّنْيا التي اقْتَصَصْناها علَيكم فهو في نِعَمِ الآخرة أَعْمَى وأَضَلُّ سبيلاً .. ((فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)): أبان الشيء: اتضح فهو مبين ..
((فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41).)) .. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ: أي إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة زادها الله تشريفا وتعظيما .. ((فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ)): في قائم حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ..
((أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42).)) .. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ: من الهزيمة النكراء في بدر .. القَدِيرُ والقادِرُ: من صفات الله عز وجل يكونان من القُدْرَة ويكونان من التقدير. وقوله تعالى: إِن الله على كل شيء قدير؛ من القُدْرة، فالله عز وجل على كل شيء قدير، والله سبحانه مُقَدِّرُ كُلِّ شيء وقاضيه. ابن الأَثير: في أَسماء الله تعالى القادِرُ والمُقْتَدِرُ والقَدِيرُ، فالقادر اسم فاعل من قَدَرَ يَقْدِرُ،